ليس المهم أن تكون أفراح الزوبة امرأة.. المهم أن تعيد للدبلوماسية اليمنية روحها

قبل ساعة


عادل الشجاع
بقلم: عادل الشجاع
ارشيف الكاتب

منذ اللحظة الأولى لإعلان تعيين الأستاذة أفراح الزوبة وزيرة للخارجية، انفجرت منصات التواصل الاجتماعي بالتحليلات والأحكام، حتى بدا وكأن أزمة اليمن كلها اختزلت في اسم الوزيرة الجديدة. فريق أعلن انتصارا تاريخيا لأن امرأة وصلت إلى هذا المنصب، وفريق آخر سارع إلى إعلان فشلها قبل أن تؤدي القسم، مستندا إلى تخصصها الأكاديمي أو خبرتها، بينما انشغل آخرون بمهاجمة شخصها أكثر من انشغالهم بمناقشة واقع الوزارة التي تتسلمها!.


وهذا، في الحقيقة، هو جوهر المشكلة في اليمن، ننشغل بالأشخاص، ونهمل المؤسسات. نحاكم الأسماء، ونغض الطرف عن الخراب الذي أصاب البناء كله..


وزارة الخارجية ليست في أزمة لأنها عينت فيها أفراح الزوبة، بل كانت في أزمة عميقة قبلها بسنوات. أزمة إدارة، وأزمة عدالة، وأزمة فساد، وأزمة تعطيل للكفاءات، حتى تحول السلك الدبلوماسي، الذي يفترض أن يكون واجهة الدولة، إلى مؤسسة مثقلة بالمحسوبية، والتجميد، وغياب المعايير..


ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تنجح أفراح الزوبة؟ بل: هل تمتلك الشجاعة لتفكيك مراكز النفوذ التي أوصلت الوزارة إلى هذا الحال؟.


إن اليمن اليوم لا يخوض معركة عسكرية فحسب، بل يخوض معركة دبلوماسية لا تقل أهمية. ففي زمن الحروب، تصبح السفارات خطوط الدفاع الأولى عن الدولة، وتتحول الدبلوماسية إلى سلاح سياسي لا يقل أثرا عن أي سلاح في الميدان. واليمن أحوج ما يكون اليوم إلى وزارة خارجية فاعلة، تستعيد ثقة العالم، وتحشد الدعم، وتحمي مصالح اليمنيين، وتعيد للدولة صوتها الذي خفت في المحافل الدولية..


لقد بدأ الدكتور شايع الزنداني مشروعا لإصلاح الوزارة، لكنه لم يكتمل بسبب عراقيل سياسية معروفة. واليوم، وقد أصبح رئيسا للحكومة، فإن مسؤوليته مضاعفة، فلا يكفي أن يكون مقتنعا بالإصلاح، بل عليه أن يوفر للوزيرة الجديدة الغطاء الكامل لاستكماله. فالحكومات تقاس بقدرتها على الإصلاح، لا بقدرتها على تغيير الوجوه..


أما الوزيرة الجديدة، فإن أمامها فرصة نادرة لتثبت أن المناصب لا تصنع الرجال والنساء، بل تصنعهم القرارات الشجاعة..


وأول هذه القرارات أن تقتلع جذور العبث داخل الوزارة، وفي مقدمتها ملف الشؤون المالية، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى بوابة واسعة للاختلالات والإقصاء وإفساد السلك الدبلوماسي. ولنكن صريحين: لن ينجح أي وزير في الخارجية ما دامت هذه المنظومة تعمل بالعقلية نفسها، وبالأدوات نفسها، وبالأشخاص أنفسهم. إن إصلاح الوزارة يبدأ من هناك، وكل حديث عن الإصلاح دون المساس بهذا الملف ليس سوى تجميل لواجهة بناء متصدع..


ثم يأتي ملف التظلمات، ذلك الملف المؤجل منذ عام 2014، والذي يحمل بين صفحاته قصصا طويلة من الظلم الوظيفي، والإقصاء، وتعطيل الحقوق. لا يمكن بناء مؤسسة محترمة إذا ظل المظلوم ينتظر، والمستحق يقصى، والولاء يتقدم على الكفاءة..


أما الملف الثالث، فهو إعادة الاعتبار لمبدأ التداول في السلك الدبلوماسي. فمن غير المقبول أن يبقى بعض السفراء في مواقعهم عشر سنوات أو أربع عشرة سنة، بينما تتآكل أحلام عشرات الدبلوماسيين الأكفاء داخل الوزارة. السفارة ليست ملكية خاصة، ولا امتيازا دائما، بل مهمة وطنية مؤقتة ينظمها القانون، ومن حق الوزارة أن تضخ دماء جديدة، وأن تفتح الأبواب أمام أبناء السلك الدبلوماسي الذين حرموا من حقهم في التمثيل الخارجي..


إن من يهاجم أفراح الزوبة اليوم لأنها امرأة، يقع في فخ التحيز. ومن يصفق لها فقط لأنها امرأة، يقع في الفخ نفسه. فالوزارة لا تحتاج إلى معركة بين الرجال والنساء، بل تحتاج إلى معركة ضد الفساد، وضد الجمود، وضد احتكار الوظيفة العامة..


لن يمنح التاريخ الوزيرة الجديدة شهادة نجاح لأنها أول امرأة تتولى هذا المنصب، ولن يدينها لأنها امرأة. وحدها القرارات ستكتب سيرتها، ووحدها النتائج ستحدد مكانتها..


ولهذا، فإن الواجب الوطني اليوم يفرض على الحكومة أن تدعمها، لا أن تتركها وحيدة في مواجهة شبكات النفوذ. كما يفرض على الإعلاميين والكتاب والسياسيين أن يمنحوها فرصة حقيقية للعمل، لا أن يتحولوا إلى محكمة تصدر الأحكام قبل بدء المحاكمة..


أما إذا منحت الصلاحيات، وتوفر لها الدعم، ومضى الوقت الكافي، ثم أخفقت في تفكيك بؤر الفساد، وإنصاف المظلومين، وإعادة الاعتبار للمؤسسة الدبلوماسية، فحينها لن يكون النقد حقا فحسب، بل سيكون واجبا وطنيا..


اليمن لا يحتاج اليوم إلى وزيرة تدير الأزمة، بل إلى وزيرة تمتلك الجرأة على كسر القيود التي صنعت الأزمة. فإن فعلت ذلك، ستكتب اسمها في سجل الإصلاح. وإن استسلمت للواقع، فلن تكون سوى اسم آخر في قائمة طويلة من الذين مروا على الوزارة وغادروا، بينما بقيت الأزمة على حالها..