حين ينتقل التهديد إلى البحر... هل حان وقت استعادة الحديدة؟

الجمعة - 24 يوليو 2026 - 10:08 م


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

في السياسة، كما في الحروب، لا تبقى المعادلات على حالها. فما كان صالحًا بالأمس قد يصبح اليوم عبئًا، وما كان مؤجلًا قد تفرضه الوقائع باعتباره خيارًا لا يمكن تجاهله. واليمن اليوم يقف أمام لحظة مختلفة، بعدما تجاوزت الأزمة حدودها الداخلية، وأصبح البحر الأحمر نفسه ساحة مفتوحة للتصعيد، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن المنطقة والملاحة الدولية.


وخلال الفترة الأخيرة، تبدو المؤشرات الإقليمية وكأنها تتجه نحو قدر أكبر من التنسيق والتفاهم بين القوى العربية المعنية بأمن المنطقة، وهو تطور لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد حدث سياسي، بل باعتباره فرصة لإعادة تقييم ملفات ظلت عالقة لسنوات، وفي مقدمتها ملف الساحل الغربي الذي يمثل إحدى أهم حلقات الصراع اليمني.


لقد تغيرت طبيعة المعركة. فالحوثيون لم يعودوا يحصرون مواجهتهم داخل الجغرافيا اليمنية، بل نقلوا تهديداتهم إلى البحر، ووسّعوا دائرة التصعيد لتشمل حركة الملاحة، وصولًا إلى استهداف السفن المرتبطة بالموانئ السعودية. وبصرف النظر عن مدى قدرتهم على تنفيذ كل ما يعلنون عنه، فإن مجرد انتقال المواجهة إلى هذا المستوى يفرض قراءة مختلفة لطبيعة التحدي وطريقة التعامل معه.


فإذا أصبح مصدر التهديد معروفًا، فمن الطبيعي أن يتجه التفكير إلى معالجة جذوره، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.


وهنا تعود الحديدة، بساحلها وموانئها وجزرها، إلى قلب المشهد من جديد؛ لا لأنها محافظة يمنية فحسب، بل لأنها تمثل مفتاح الساحل الغربي، وإحدى أهم حلقات الأمن في البحر الأحمر. فعلى امتداد سواحلها راكم الحوثيون قدراتهم العسكرية والبحرية، وشيدوا التحصينات، وحفروا الخنادق والأنفاق، مستفيدين من سنوات أتاحتها اتفاقية ستوكهولم، حتى بدا عمليًا أن ترتيبات الاتفاق منحتهم فرصة لإعادة التموضع وتعزيز مواقعهم أكثر مما حققت هدفها الأساسي في إنهاء التوتر.


لقد كان الأمل أن تفتح اتفاقية ستوكهولم بابًا لخفض التصعيد والوصول إلى تسوية أوسع، لكن الواقع الميداني أظهر أن الحوثيين استفادوا من الوقت لترسيخ حضورهم، بينما بقيت القوات الحكومية ملتزمة بقيود الاتفاق بدرجات عالية. وهكذا تحول اتفاق وُلد كخطوة نحو السلام إلى واقع منح طرفًا واحدًا مساحة أكبر لإعادة ترتيب أوراقه.


ومن هنا يبرز سؤال يصعب تجاهله: هل ما زالت الظروف التي أنتجت ذلك الاتفاق قائمة اليوم؟


الواقع يقول إن المشهد تغير كثيرًا. فالتهديد لم يعد مقتصرًا على الداخل اليمني، بل امتد إلى أمن البحر الأحمر، وأصبح يمس مصالح إقليمية ودولية مباشرة. وعندما تتغير طبيعة التهديد، فمن المنطقي أن تتغير معه طبيعة التفكير في كيفية مواجهته.


وفي هذا السياق، تبرز القوات المرابطة في الساحل الغربي باعتبارها الطرف الأكثر اتصالًا بهذه الجبهة والأكثر معرفة بتضاريسها وتعقيداتها. ولا يتعلق الأمر هنا بتقديم شهادة لأحد أو تجاوز أسئلة الماضي، فالتاريخ يعرفه الجميع، ولكل مرحلة ظروفها وحساباتها. لكن الدول لا تُبنى على أسر الماضي، وإنما على قدرة القوى الفاعلة على تقديم ما يخدم مشروع الدولة عندما تتهيأ اللحظة المناسبة.


ولهذا تبدو المرحلة الراهنة أقرب إلى اختبار عملي منها إلى نقاش سياسي. اختبار لمدى جاهزية القوى الوطنية للانتقال من الدفاع إلى المبادرة، واختبار لقدرة التفاهمات الإقليمية على إنتاج نتائج ميدانية، واختبار أيضًا لجدية مشروع استعادة الدولة الذي يتطلع إليه اليمنيون بعد سنوات طويلة من الانقلاب والمعاناة.


ليس المقصود الدعوة إلى مغامرة عسكرية غير محسوبة، ولا التقليل من تعقيدات أي تحرك في الحديدة أو الجزر اليمنية، فهذه ملفات لها حساباتها العسكرية والسياسية الدقيقة، ويدرك أهل الاختصاص تفاصيلها أكثر من غيرهم. لكن من المشروع أن يُطرح السؤال بهدوء: إذا كان الحوثي قد اختار التصعيد، ونقل تهديداته إلى البحر الأحمر، وجعل من الملاحة ساحة جديدة للمواجهة، فهل يبقى الساحل الغربي مجرد جبهة دفاع وانتظار؟ أم أن المرحلة تفرض التفكير في استعادة زمام المبادرة من حيث بدأ الخطر، وإنهاء حالة الاستفادة من الجغرافيا الساحلية كورقة ضغط على اليمن والمنطقة والملاحة الدولية؟


ذلك سؤال لا تجيب عنه المقالات ولا التصريحات، وإنما تجيب عنه الوقائع عندما تتهيأ الظروف، وتلتقي الإرادة السياسية مع القدرة العسكرية والرؤية الوطنية. فاستعادة الحديدة، إذا ما تحققت، لن تكون مجرد إنجاز ميداني محدود، بل تحولًا في معادلة الأمن اليمني والإقليمي، باعتبارها بوابة رئيسية للتحكم بالساحل الغربي والبحر الأحمر، وخطوة استراتيجية تفتح الطريق أمام استعادة الدولة ومؤسساتها، وصولًا إلى إنهاء الانقلاب واستعادة العاصمة صنعاء التي تبقى الهدف الوطني الأكبر لكل مشروع يعيد لليمن دولته وسيادته.


فالمبادرة لا تُمنح دائمًا، لكنها تُصنع عندما تتوافر أسبابها. والتاريخ يفتح نوافذه أمام من يقرأ اللحظة جيدًا، ويمتلك القدرة على تحويلها من فرصة مؤجلة إلى فعل يغيّر مسار الأحداث.