من يحاصر الصحافة... يحاصر الديمقراطية.

قبل 58 دقيقة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

أسهل ما تفعله السلطة عندما تتعرض للانتقاد هو أن تعيد تعريف المشكلة بطريقة تعفي نفسها من المسؤولية. فبدلا من الاعتراف بوجود خلل في علاقتها بالإعلام، يصبح الحديث منصبا على الإجراءات والطلبات الرسمية، وكأن أزمة الصحافة في جنوب السودان بدأت من استمارة لم تملأ، لا من واقع طويل اتسم بضعف الوصول إلى المعلومات ومحدودية التواصل مع مؤسسات الحكم.بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع تصريحات السكرتيرة الصحفية بمكتب رئيس الجمهورية، أريك ألدو أجو دينق، باعتبارها مجرد توضيح إداري. فالحديث الذي قدمته لا يناقش جوهر الأزمة، بل يعيد صياغتها بطريقة تجعل الصحفيين طرفا يتحمل مسؤولية ما يحدث، بينما تغيب مسؤولية المؤسسة الرسمية عن تفسير أسباب هذا الانقطاع الطويل بينها وبين الإعلام الوطني.


قالت أريك ألدو أجو دينق إن الرئاسة لا تشكك في كفاءة الصحفيين المحليين، وإن مكتبها لم يتلق طلبات رسمية لإجراء مقابلات مع الرئيس سلفا كير ميارديت. لكن هذا التفسير يفتح بابا آخر من الأسئلة. فإذا كانت الثقة موجودة، فلماذا لم تتحول إلى سياسة إعلامية واضحة تتيح للصحفيين الوصول إلى رئيس الدولة بصورة منتظمة؟ ولماذا بقي الإعلام الوطني بعيدا عن هذا الحق سنوات طويلة قبل أن يثار النقاش بعد مقابلة أجرتها وسيلة إعلام أجنبية؟.المشكلة ليست في وجود طلب رسمي أو غيابه، وإنما في طبيعة العلاقة التي تريدها السلطة مع الإعلام. فالصحافة ليست مؤسسة تنتظر الإذن حتى تؤدي واجبها، بل سلطة رقابية تمثل حق المجتمع في المعرفة. وكلما أصبح الوصول إلى المسؤولين مرهونا بإجراءات معقدة أو غير واضحة، فقد الإعلام جزءا من دوره، وفقد المواطن جزءا من حقه في الاطلاع على ما يجري داخل مؤسسات الدولة.


اللافت أن الخطاب الرسمي يكرر الحديث عن احترام الإعلام الوطني، لكن الواقع يفرض أسئلة مختلفة. فالاحترام لا يقاس بالتصريحات، وإنما بمدى استعداد السلطة لفتح أبوابها أمام الصحفيين، وتقبل الأسئلة التي قد تكون محرجة قبل تلك التي تمنحها مساحة للظهور الإعلامي. وعندما يصبح الإعلام الأجنبي أكثر قدرة على الوصول إلى رئيس الدولة من الإعلام المحلي، فإن ذلك يعكس خللا يستحق المراجعة، بغض النظر عن المبررات التي تقدم.هذا النوع من الخطاب لا يضر بالصحفيين وحدهم، بل ينعكس على المجال العام كله. فكلما ضعفت قدرة الإعلام على الوصول إلى المعلومة، اتسعت مساحة الإشاعات، وتراجعت ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية. وعندما تغيب الشفافية، تصبح الرواية الرسمية أقل قدرة على إقناع الناس، لأن المعلومة التي لا تخضع للنقاش تفقد كثيرا من قيمتها.


الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وليست اتفاقا سياسيا يوقع بين الأطراف. الديمقراطية تبدأ عندما يشعر المسؤول أن من حق الصحفي أن يسأله، وأن من حق المواطن أن يعرف. أما عندما يصبح الوصول إلى المسؤول امتيازا يمنح ولا يكتسب بالحق، فإن المجال العام يضيق تدريجيا، حتى وإن بقيت شعارات الحرية والديمقراطية حاضرة في الخطاب الرسمي.إذا كانت تصريحات أريك ألدو أجو دينق تعبر عن رغبة في فتح صفحة جديدة مع الإعلام الوطني، فإن هذه الصفحة لا تكتب بالتصريحات، وإنما بالممارسة. المطلوب ليس دعوة الصحفيين إلى تقديم مزيد من الطلبات، بل أن تلتزم الرئاسة بسياسة إعلامية واضحة تقوم على المؤتمرات الصحفية الدورية، وإتاحة المقابلات لجميع المؤسسات الإعلامية دون تمييز، ونشر المعلومات باعتبارها حقا للمواطن قبل أن تكون خدمة تقدمها السلطة.


حرية الصحافة لا تمنح بقرار، ولا تقاس بعدد الكلمات التي تشيد بالإعلام. إنها تقاس بمقدار ما تسمح به الدولة للصحفي بأن يقترب من مراكز القرار، وأن يطرح الأسئلة التي يريد المجتمع سماع إجاباتها. وأي سلطة تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، لا تضيق على الصحفي وحده، بل تضيق على الديمقراطية نفسها، لأن الدولة التي لا تسمع أسئلة إعلامها الوطني، ستجد نفسها عاجلا أو آجلا عاجزة عن سماع صوت مواطنيها.


#زكريا_نمر