العدالة في اليمن: رؤية متكاملة لاستعادة الدولة وبناء السلام المستدام!

قبل 6 ساعات


القاضي. أنيس صالح جمعان
بقلم: القاضي. أنيس صالح جمعان
ارشيف الكاتب

مقدمة: العدالة شرط بناء الدولة وليست مجرد نهاية الحرب


تُعد العدالة الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدول المستقرة، فهي ليست مجرد إجراءات قضائية لمحاسبة مرتكبي الجرائم، وإنما منظومة متكاملة تشمل سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات، وإنصاف الضحايا، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية وقانونية سليمة.


وفي الحالة اليمنية، فإن تحقيق العدالة يمثل تحدياً استثنائياً؛ نظراً لتعقيد طبيعة الصراع وتداخل أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. فقد أدت سنوات الحرب إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعطيل جزء كبير من وظائفها، وظهور سلطات موازية تنازع الدولة اختصاصاتها، الأمر الذي جعل قضية استعادة الدولة وبناء السلام العادل في مقدمة الأولويات الوطنية.


ومن هذا المنطلق، فإن أي رؤية واقعية لمستقبل اليمن لا بد أَنْ تقوم على معالجة شاملة تجمع بين استعادة مؤسسات الدولة الشرعية، وإنهاء أسباب الصراع المسلح، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الاقتصاد، ومعالجة القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، بما يضمن سلاماً دائماً لا مجرد هدنة مؤقتة.


وأمام هذا الواقع، لم تعد العدالة في اليمن مجرد وسيلة لإنهاء النزاع أو معالجة آثاره، بل غدت مشروعاً وطنياً متكاملاً لإعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها وترسيخ سيادة القانون.


فالسلام المستدام لا يتحقق بمجرد توقف العمليات العسكرية أو إبرام الاتفاقات السياسية، وإنما بقيام دولة شرعية تحتكر استخدام القوة وفق أحكام الدستور والقانون، وتتمتع بقضاء مستقل، وتحمي الحقوق والحريات، وتتولى تنفيذ مسار شامل للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بما يعالج جذور الأزمة ويحول دون تكرارها مستقبلاً.


كما أَنَّ الملف اليمني لم يعد شأناً داخلياً محضاً، فقد أصبح مرتبطاً بالسلم والأمن الإقليمي والدولي، وهو ما أكدته قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن، وفي مقدمتها القرار رقم (2216) لسنة 2015 الصادر بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.


أولاً: استعادة الشرعية الدستورية أساس الاستقرار


ترى الحكومة اليمنية أَنَّ استقرار اليمن لن يتحقق بصورة حقيقية إلا من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإنهاء سيطرة جماعة الحوثيين المسلحة على مؤسسات الدولة، باعتبار أَنَّ وجود سلطة موازية خارج إطار الدستور والقانون يمثل عائقاً أمام قيام الدولة وأداء مؤسساتها لوظائفها الطبيعية.


فالدولة لا تستطيع تحقيق العدالة أو حماية الحقوق أو إدارة الموارد العامة في ظل تعدد مراكز القوة واحتكار السلاح خارج مؤسساتها الرسمية، لأن سيادة القانون لا يمكن أَنْ تقوم إلا عندما تكون الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة بممارسة السلطة وإنفاذ القانون.


ومن هذا المنطلق، تعتبر الحكومة اليمنية أَنَّ إنهاء التمرد المسلح واستعادة مؤسسات الدولة يمثلان المدخل الأساسي لإطلاق عملية سياسية مستقرة، تؤدي إلى بناء دولة وطنية جامعة تستند إلى الدستور والقانون.


غير أَنَّ استعادة الشرعية لا ينبغي أَنْ تُفهم باعتبارها نهاية المسار، وإنما بداية لمرحلة بناء الدولة، وإعادة الثقة بالمؤسسات، وتحقيق العدالة لجميع أبناء اليمن.


ثانياً: المسار العسكري بين استعادة الدولة والالتزام بالقانون الدولي


يمثل المسار العسكري، وفق رؤية الحكومة اليمنية، وسيلة لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء واقع الانقسام الذي فرضته الحرب، وليس غاية بحد ذاته.


فالتجارب الدولية تؤكد أَنَّ أي عملية سياسية ناجحة تحتاج إلى وجود دولة قادرة على تنفيذ التزاماتها وحماية مواطنيها، وأَنَّ استمرار وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة يعرقل فرص السلام ويضعف أي اتفاقات سياسية مستقبلية.


ومع ذلك، فإن استخدام القوة يجب أَنْ يظل خاضعاً لأحكام القانون الدولي الإنساني، وبخاصة حماية المدنيين، واحترام مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية، ومحاسبة كل من يثبت ارتكابه انتهاكات أو جرائم بحق الشعب اليمني أياً كانت صفته أو انتماؤه.


فالعدالة لا تكون مكتملة إذا استُخدمت القوة دون ضوابط قانونية، كما لا يتحقق السلام إذا غاب مبدأ المساءلة.


ثالثاً: العدالة الاقتصادية وإعادة بناء الدولة

إنَّ العدالة لا تقتصر على المجال السياسي والقضائي، وإنما تمتد إلى العدالة الاقتصادية باعتبارها أساس حياة المواطنين وكرامتهم.


لقد خلف الصراع آثاراً اقتصادية عميقة تمثلت في تراجع قيمة العملة الوطنية، وتعطل مؤسسات الإنتاج، وتدهور الخدمات العامة، وتراجع مستوى المعيشة، الأمر الذي ألقى بأعباء كبيرة على المواطنين.


فالحرب اليمنية لم تؤثر فقط على الجانب السياسي والأمني، وإنما ألحقت أضراراً واسعة بالاقتصاد الوطني، وأدت إلى تراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور الخدمات العامة، وتراجع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.


كما أدت حالة الانقسام المؤسسي والصراع على الموارد العامة إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وتحويل بعض الموارد إلى أدوات للصراع بدلاً من توجيهها لخدمة التنمية وتحسين حياة المواطنين.


ومن هنا، فإن العدالة الاقتصادية تتطلب استعادة مؤسسات الدولة الاقتصادية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وحماية الموارد الوطنية، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، بما يضمن توزيعاً عادلاً للثروة الوطنية.


كما أَنَّ إعادة الإعمار لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مشروع اقتصادي، وإنما باعتبارها جزءاً من العدالة وجبر الضرر، لأنها تهدف إلى معالجة آثار الحرب وإعادة الحياة للمناطق والمجتمعات التي تعرضت للدمار.


ومن ثم، فإن إعادة بناء الدولة تتطلب إصلاحاً اقتصادياً شاملاً يقوم على:


1. حماية الموارد الوطنية وإدارتها وفق القانون.

2. تعزيز استقلال البنك المركزي.

3. مكافحة الفساد واستعادة الأموال العامة.

4. إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.

5. تحسين الخدمات الأساسية.

6. توفير بيئة اقتصادية تساعد على التنمية والاستقرار.


السلام الذي لا يرافقه استقرار اقتصادي وعدالة اجتماعية يبقى سلاماً هشاً قابلاً للانهيار. فالعدالة الاقتصادية تمثل جزءاً لا يتجزأ من العدالة الاجتماعية والسياسية.


رابعاً: مسؤولية المجتمع الإقليمي والدولي ودور المملكة العربية السعودية في تحقيق العدالة

لا يمكن تجاهل أَنَّ دول التحالف العربي والداعمين الدوليين أصبحوا جزءاً من المعادلة اليمنية، وليسوا مجرد مراقبين، وذلك بالنظر إلى طبيعة التدخلات الإقليمية والدولية في الأزمة اليمنية.


لم يعد الملف اليمني شأناً داخلياً محضاً، بل أصبح قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية تمس السلم والأمن الدوليين، وذلك بعد صدور قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة باليمن، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن رقم (2216) لسنة 2015 الصادر بتاريخ 14 أبريل 2015 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.


وقد أكد القرار دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمطالبة بإنهاء الإجراءات الأحادية التي قوضت مؤسسات الدولة، وانسحاب الجماعات المسلحة من المدن والمؤسسات الحكومية، وتسليم الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها خارج إطار الدولة.


كما سبق ذلك قرار مجلس الأمن رقم (2140) لسنة 2014 الصادر بتاريخ 26 فبراير 2014، الذي وضع إطاراً دولياً لدعم العملية الانتقالية السياسية في اليمن، وإنشاء نظام للعقوبات ضد من يعرقلون السلام أو يهددون الأمن والاستقرار.


ومن هذا المنطلق، فإن خضوع الملف اليمني لأحكام الفصل السابع يؤكد أَنَّ تحقيق السلام والاستقرار في اليمن، لم يعد مسؤولية وطنية فقط، وإنما أصبح مسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي والدول الإقليمية المعنية بأمن المنطقة.


وفي هذا السياق، اضطلعت المملكة العربية السعودية بدور محوري باعتبارها الدولة القائدة للتحالف العربي الداعم للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وقدمت دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بهدف مساندة الشرعية اليمنية ومواجهة التهديدات التي تمس أمن اليمن والمنطقة، إلا أَنَّ مرحلة السلام تتطلب انتقال المسؤولية من إدارة الصراع المسلح إلى دعم بناء الدولة وإعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب.


ومن هنا، فإن من مقتضيات السلام المستدام أَنْ تسهم المملكة العربية السعودية والدول الداعمة لليمن بصورة أكبر في:


1. دعم مشاريع إعادة الإعمار.

2. إعادة تأهيل البنية التحتية.

3. دعم المؤسسات الوطنية.

4. المساهمة في التعافي الاقتصادي.

5. دعم برامج جبر الضرر وتعويض المتضررين من الحرب.


فجبر الضرر يمثل أحد أهم مبادئ العدالة الانتقالية، ويشمل تعويض الأسر المتضررة، ومعالجة آثار فقدان الممتلكات ومصادر الدخل، وإعادة بناء المناطق التي تعرضت للدمار.


فالدول التي تسهم في إدارة مرحلة النزاع تقع عليها مسؤولية أخلاقية وسياسية في دعم مرحلة الاستقرار وإعادة البناء.


خامساً: بناء مؤسسات الدولة وسيادة القانون ضمانة العدالة


لا يمكن الحديث عن بناء دولة مستقرة أو تحقيق عدالة حقيقية دون وجود قضاء مستقل ونزيه قادر على تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات على الجميع دون استثناء.


فالقضاء هو المؤسسة التي تستعيد بها الدولة ثقة المواطن، ويمثل الضمانة الأساسية لانتقال المجتمع من مرحلة الصراع إلى مرحلة الدولة، وهو المؤسسة التي يلجأ إليها المواطن لاسترداد حقوقه بعيداً عن منطق القوة أو النفوذ أو الانتماء السياسي.


ولهذا فإن مرحلة بناء الدولة في اليمن تتطلب تعزيز استقلال السلطة القضائية، ودعم النيابة العامة، وتوفير الضمانات اللازمة التي تمكن القضاة من أداء رسالتهم باستقلال وتجرد، وإصلاح المؤسسات العدلية بما يضمن تحقيق العدالة الناجزة. ويعيد ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.


كما أَنَّ سيادة القانون تقتضي خضوع الجميع لأحكامه دون استثناء، وعدم السماح بتحويل القضاء إلى أداة للصراع السياسي أو وسيلة لتصفية الحسابات. فالعدالة لا تقوم فقط بوجود النصوص القانونية، وإنما بوجود مؤسسات قادرة على تطبيقها بعدالة ونزاهة.


كما أَنَّ نجاح أي تسوية سياسية يظل مرهوناً بوجود سلطة قضائية مستقلة قادرة على الفصل في المنازعات، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات، وحماية الحقوق والحريات، بعيداً عن الضغوط السياسية أو العسكرية، باعتبار أَنَّ استقلال القضاء هو الضمانة الحقيقية لاستمرار دولة القانون بعد انتهاء النزاعات.


كما أَنَّ تحقيق العدالة واستعادة الدولة لا يكتملان دون إعادة بناء مؤسسات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على أسس وطنية ومهنية وقانونية، بما يضمن خضوعها للدستور والقانون، وقيامها بواجبها في حماية الدولة والمواطنين بعيداً عن الولاءات الضيقة أو التجاذبات السياسية. فوجود جيش وطني وأجهزة أمنية كفؤة يمثل أحد أهم ضمانات الاستقرار ومنع تكرار النزاعات، كما أَنَّ دعم قدراتها البشرية والفنية واللوجستية يعد جزءاً أساسياً من عملية بناء الدولة وترسيخ سيادة القانون.


سادساً: القضية الجنوبية كمدخل لتحقيق السلام والاستقرار


إنَّ تحقيق الاستقرار في اليمن لا يمكن أَنْ يقتصر على إنهاء الصراع المسلح أو معالجة ملف واحد من ملفات الأزمة، وإنما يتطلب النظر إلى جميع القضايا الوطنية بمختلف أبعادها التي ساهمت في استمرار حالة عدم الاستقرار، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.


فالقضية الجنوبية وما يرتبط بها من مطالب سياسية وحقوقية ومظالم متراكمة تمثل إحدى القضايا الأساسية التي ينبغي التعامل معها بحوار جاد ومسؤول، يقوم على الاعتراف بالمظالم ومعالجة آثارها وتحقيق العدالة والشراكة الوطنية.


ولا يمكن بناء دولة مستقرة على أساس تجاهل مظالم أي مكون من مكونات المجتمع، ولذلك فإن معالجة هذه القضية تتطلب الاعتراف بالمشكلات القائمة، والبحث عن حلول عادلة تقوم على الحوار والشراكة واحترام إرادة المواطنين.


كما أَنَّ وجود مطالب جنوبية تدعو إلى استعادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة يستوجب التعامل معها باعتبارها قضية سياسية تحتاج إلى معالجة ديمقراطية وقانونية تستند إلى الحوار والإرادة الشعبية، بعيداً عن فرض الحلول بالقوة أو الإقصاء.


ومن أجل الوصول إلى حل مستدام، فإن من الخيارات المطروحة التي يمكن بحثها ضمن إطار سياسي شامل، وبمشاركة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بحث آلية ديمقراطية للتعبير عن إرادة أبناء الجنوب، تتيح التعبير عن إرادتهم بشأن مستقبلهم السياسي، بما في ذلك إجراء استفتاء شعبي حر ونزيه، وفق ترتيبات قانونية وسياسية متوافق عليها، وبما يحقق السلام ويحفظ حقوق الجميع.


فمعالجة القضية الجنوبية بصورة عادلة لا تمثل تهديداً لاستقرار اليمن، وإنما قد تكون مدخلاً لمعالجة جذور الأزمة، وتكون أحد المفاتيح الأساسية لبناء سلام دائم وإنهاء أسباب الصراع المتكرر، وبناء علاقة سياسية عادلة ومستدامة.


سابعاً: العدالة الانتقالية وجبر الضرر


إنَّ إنهاء الحرب لا يعني انتهاء آثارها، فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى معالجة الماضي بطريقة قانونية وإنسانية تضمن عدم تكرار المأساة.


إنَّ المجتمعات التي تمر بالنزاعات المسلحة لا تستطيع بناء مستقبل مستقر دون معالجة آثار الماضي، ولذلك تمثل العدالة الانتقالية أحد المسارات الأساسية لتحقيق السلام المستدام في اليمن.


فالعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، وإنما تهدف إلى تحقيق التوازن بين حق المجتمع في معرفة الحقيقة، وحق الضحايا في الإنصاف، وحق الدولة في بناء مستقبل يقوم على المصالحة وسيادة القانون.


وتقوم العدالة الانتقالية على مجموعة من المبادئ، أهمها:


1. كشف حقيقة الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الصراع.

2. محاسبة مرتكبي الانتهاكات وفق إجراءات قانونية عادلة.

3. إنصاف الضحايا.

4. تعويض المتضررين.

5. إصلاح المؤسسات.

6. جبر الضرر المادي والمعنوي.

7. إصلاح المؤسسات لضمان عدم تكرار الانتهاكات.


فالعدالة الانتقالية ليست مشروع انتقام، وإنما وسيلة لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

كما أَنَّ طبيعة المجتمع اليمني تجعل المصالحة المجتمعية ضرورة أساسية، من خلال معالجة آثار الصراع بين المكونات الاجتماعية والقبلية، وإنهاء دوائر الثأر والانقسام، وإعادة بناء الثقة بين أبناء الوطن الواحد.


فالمصالحة الحقيقية لا تقوم على النسيان، وإنما على العدالة والاعتراف بالحقوق ومعالجة المظالم.


ثامناً: التكامل بين المسارات شرط السلام الحقيقي


إنَّ الرؤية الأكثر واقعية لتحقيق العدالة والسلام في اليمن لا تقوم على مسار واحد، وإنما على تكامل مجموعة من المسارات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية.


ويتمثل هذا التكامل في مجموعة من المسارات:


1. استعادة الدولة الشرعية ومؤسساتها: بما يعيد للدولة احتكارها المشروع للسلطة والسلاح، ويضمن عودة مؤسساتها للعمل وفق الدستور والقانون.


2- المسار السياسي الشامل: الذي يضع أسس المرحلة الانتقالية، ويضمن مشاركة مختلف المكونات الوطنية، ويؤسس لتسوية سياسية مستقرة.


3- المساءلة القانونية والعدالة الانتقالية: من خلال محاسبة مرتكبي الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار المأساة.


4. العدالة الاقتصادية وإعادة الإعمار:

من خلال استعادة الحقوق الاقتصادية، وإصلاح المؤسسات، وتعويض المتضررين من آثار الحرب.


5. المصالحة الوطنية ومعالجة القضايا الوطنية الكبرى: وفي مقدمتها القضية الجنوبية، بما يضمن بناء دولة تقوم على الشراكة والرضا الوطني.


فالحل العسكري وحده لا يكفي لبناء السلام، كما أَنَّ التسوية السياسية وحدها لا تنجح إذا لم تستند إلى دولة قوية قادرة على تنفيذ التزاماتها، ولذلك فإن العدالة الحقيقية هي نتاج تكامل هذه المسارات جميعاً.


خاتمة: العدالة أساس بناء الدولة والسلام المستدام

إنَّ مستقبل اليمن يتوقف على الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء الدولة، ومن منطق القوة إلى منطق القانون، ومن الانقسام إلى الشراكة الوطنية.


في المحصلة، فإن العدالة في اليمن ليست انتصار طرف على طرف، وإنما انتصار الدولة على الفوضى، والقانون على السلاح، والمؤسسات على الانقسام.


وإنَّ استقرار اليمن لن يتحقق إلا باستعادة مؤسسات الدولة الشرعية، وبناء قضاء مستقل، واقتصاد متعافٍ،

وتحقيق العدالة الانتقالية، ومعالجة القضية الجنوبية معالجة عادلة تقوم على الحوار والإرادة الشعبية، تدعمها ضمانات إقليمية ودولية، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب وتعويض المتضررين.


كما أَنَّ مسؤولية المجتمع الإقليمي والدولي، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية والدول الداعمة لليمن، لا ينبغي أَنْ تقتصر على إدارة الأزمة أو احتواء تداعياتها، بل يجب أَنْ تمتد إلى دعم مسار بناء السلام، وإعادة الإعمار، وتعزيز مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية على أسس وطنية ومهنية، والمساهمة في برامج جبر الضرر وتعويض المتضررين، بما يساعد اليمن على استعادة عافيته، وترسيخ أمنه واستقراره، وبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها وتحقيق سيادة القانون.


فالسلام الحقيقي ليس مجرد توقف القتال، وإنما قيام دولة عادلة قوية يحكمها القانون، وتصان فيها كرامة الإنسان، وتُحفظ فيها حقوق جميع أبنائها.


إنَّ العدالة ليست خياراً سياسياً مؤقتاً تفرضه ظروف الحرب، وإنما هي أساس الشرعية، وركيزة بناء الدولة، والضمانة الحقيقية لاستقرار اليمن. فالدولة التي تستعيد مؤسساتها، وتبسط سيادة القانون، وتعالج مظالم مواطنيها، وتؤسس لمصالحة وطنية قائمة على الإنصاف، هي وحدها القادرة على تحقيق سلام عادل ومستدام يحفظ لليمن وحدته واستقراره وكرامة أبنائه.

فاليمن لن يستقر إلا بقيام دولة عادلة قوية، يحكمها القانون، وتصان فيها كرامة الإنسان، وتحفظ فيها حقوق جميع أبنائها.


فالعدالة ليست مجرد نهاية للحرب، وإنما هي بداية عهد جديد من السلام والاستقرار والتنمية المستدامة.


القاضي أنيس صالح جمعان

محامِ عام أول في النيابة العامة

عضو نيابة النقض و الإقرار في المحكمة العليا - كاتب و باحث قانوني

21 يوليو 2026م