هل آن لمحمد بن سلمان محاسبة من أداروا الملف اليمني قبل أن تصبح كلفة التصحيح أكبر من كلفة الخطأ؟

قبل 3 ساعات


عادل الشجاع
بقلم: عادل الشجاع
ارشيف الكاتب

هناك لحظات في تاريخ الدول يصبح فيها الاعتراف بالحاجة إلى مراجعة السياسات دليلا على القوة، لا علامة على الضعف. واليوم، تبدو المملكة العربية السعودية أمام واحدة من تلك اللحظات في تعاطيها مع الملف اليمني، بعد سنوات طويلة من الحرب التي استنزفت الجميع، بينما ظل الهدف الأساسي، وهو استعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب، بعيد المنال..


على مدى سنوات، كنت واحدا من سياسيين وكتاب وباحثين يمنيين، دعوا إلى إعادة النظر في طريقة إدارة الحرب، ونبهوا إلى أن استمرار الأزمة دون أفق واضح للحل سيخلق واقعا أكثر تعقيدا على حدود المملكة. كما حذرت تلك القراءات من مخاطر الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ومن أن أي خلافات بين القوى اليمنية أو بين أطراف التحالف قد تؤدي إلى إضعاف الجبهة المناهضة للانقلاب وإطالة أمد الصراع. لكن كثيرا من هذه التحذيرات لم تجد الاهتمام الكافي، فيما فضل البعض التعامل معها بوصفها مجرد خلافات سياسية أو قراءات متشائمة!.


وبعد أكثر من عقد على اندلاع الأزمة، أصبح من المشروع طرح أسئلة صريحة لا تهدف إلى توزيع الاتهامات، بل إلى فهم أسباب تعثر تحقيق الأهداف المعلنة..


كيف تحولت حرب بدأت لمنع تشكل تهديد على الحدود الجنوبية للمملكة إلى واقع أصبحت فيه جماعة الحوثي أكثر قدرة على تهديد تلك الحدود؟ وكيف انتهى الأمر بإيران إلى امتلاك ورقة ضغط أكثر تأثيرا في اليمن مما كانت تمتلكه عند بداية الحرب؟.


هذه الأسئلة لا تنتقص من التضحيات التي قدمت، لكنها تفرض مراجعة جادة لمسار إدارة الملف..


لقد كان الخطأ الأكبر هو التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة يمكن إدارتها، لا قضية يجب حسمها سياسيا وعسكريا. ومع مرور الوقت، نشأت شبكات مصالح مختلفة استفادت من استمرار الصراع، سواء داخل اليمن أو في المملكة، وأصبح بقاء الحرب بالنسبة لبعض الأطراف أقل كلفة من إنهائها. وعندما تتحول الحرب إلى مصدر نفوذ أو مصالح، تتراجع الأولوية الممنوحة لبناء الدولة واستعادة المؤسسات..


وفي الوقت نفسه، أدى استمرار بقاء مؤسسات الدولة اليمنية الفاعلة خارج الحدودإلى إضعاف حضورها، وإلى اتساع الفراغ الذي استفادت منه قوى الأمر الواقع. فالدولة لا يمكن أن تستعيد شرعيتها من خارج حدودها، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا بقي بعيدا عن المجتمع الذي يفترض أن يمثله..


كما أن الانقسامات داخل القوى المناهضة للحوثيين، وما رافقها من صراعات جانبية، أضعفت الجهد العسكري والسياسي، ومنحت الحوثيين فرصة لتعزيز سيطرتهم في مناطق نفوذهم. وكلما تشتت الخصوم، ازدادت قدرة الجماعة على ترسيخ وجودها، بغض النظر عن حجم التأييد الشعبي الذي تحظى به..


ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:


إذا كانت المملكة قد أنفقت كل هذه السنوات والموارد دفاعا عن أمنها القومي، لتجد نفسها أمام تهديد مستمر على حدودها، أليس من حقها أن تراجع أداء من تولوا إدارة هذا الملف؟ أليس من حقها أن تسأل بوضوح: ماذا تحقق؟ وما الذي أخفق؟ وهل كانت هناك قرارات أو ترتيبات أسهمت، بقصد أو من دونه، في إطالة أمد الحرب وإضعاف فرص استعادة الدولة؟.


واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء استراتيجية مختلفة، تنطلق من أن أمن المملكة يبدأ من وجود دولة يمنية مستقرة وقادرة، لا من استمرار حالة الانقسام..


وهذا يتطلب أولا إعادة تقييم شاملة لأداء كل من تولى إدارة الملف خلال السنوات الماضية، يمنيين وسعوديين، وفق معايير واضحة تقوم على النتائج والشفافية، مع مساءلة أي تجاوزات أو ممارسات أضرت بأهداف الحرب أو بمصالح الشعبين..


كما يتطلب تمكين القوى اليمنية التي تتبنى مشروع الدولة من الاضطلاع بدور أكبر في رسم مستقبل اليمن، ودعم مؤسساتها لتكون قادرة على تحمل مسؤولياتها داخل البلاد، بما يعزز شرعيتها ويحد من الفراغ الذي تستفيد منه الجماعات المسلحة..


وفي الجانب العسكري، فإن أي مقاربة جديدة ينبغي أن تنطلق من أن استعادة الدولة هي في الأساس مهمة يمنية، مع استمرار الدعم السياسي واللوجستي وفق ما تقتضيه الشراكة والمصالح المشتركة. فكلما برزت المعركة بوصفها جهدا وطنيا لاستعادة مؤسسات الدولة، تراجعت قدرة الحوثيين على توظيف خطاب التعبئة القائم على فكرة “العدوان الخارجي”، وهو خطاب استخدمته الجماعة خلال سنوات الحرب لتعزيز تماسكها وحشد أنصارها..


لقد أثبتت السنوات الماضية أن أمن المملكة واليمن ليسا ملفين منفصلين، بل قضية واحدة. فلا يمكن أن تنعم المملكة بحدود مستقرة في ظل يمن غارق في الانقسام، كما لا يمكن لليمن أن يستعيد عافيته من دون شراكة صادقة مع محيطه الخليجي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية..


إن الطريق إلى إنهاء الانقلاب لا يمر عبر إطالة أمد الحرب، بل عبر إعادة الاعتبار لمشروع الدولة، وتوحيد القوى الوطنية، ومراجعة السياسات السابقة بشجاعة، ومحاسبة كل من أسهم في إهدار الفرص أو إطالة الصراع. فالمراجعة ليست إدانة للماضي، بل استثمار في المستقبل، والمحاسبة ليست تصفية حسابات، بل ضمانة لعدم تكرار الأخطاء..


ولعل أهم درس يمكن استخلاصه بعد كل هذه السنوات هو أن استقرار اليمن ليس هبة تقدمها المملكة لليمن، بل مصلحة استراتيجية مشتركة. وكلما اقترب اليمن من استعادة دولته، اقتربت المملكة من تحقيق أمنها المستدام، وكلما تأخر هذا الهدف، بقيت المنطقة كلها تدفع ثمن حرب كان يمكن أن تسلك طريقا مختلفا لو أحسن تقديرها منذ البداية.؟