بقلم: أديب العقيلي
ليس كل من يعمل في القطاع الصحي يحمل سماعة الطبيب، فهناك من يحمل على كتفيه عبء الرعاية اليومية، ويقضي الساعات الطوال إلى جوار المريض، يراقب نبضه، ويخفف ألمه، ويزرع في نفسه الأمل. هؤلاء هم الممرضون والممرضات الذين استحقوا، عن جدارة، لقب "ملائكة الرحمة"؛ وهو وصف مجازي يعكس ما يقدمونه من عناية إنسانية وتفانٍ في خدمة المرضى، وليس لقبًا رسميًا.
جاءت هذه التسمية من طبيعة المهنة ذاتها، فالممرض هو أول من يستقبل المريض في كثير من الأحيان، وآخر من يطمئن عليه قبل مغادرته. وبين هاتين اللحظتين يقف شاهدًا على الألم، وشريكًا في رحلة العلاج، ويدًا تمتد بالعون حين تشتد الحاجة إليه. ومن هنا ارتبطت صورته في الوعي المجتمعي بالرحمة والعطاء والصبر.
لقد أثبت التاريخ أن مهنة التمريض كانت دائمًا في مقدمة الصفوف خلال الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية، حيث لم تمنع المخاطر الممرضين من أداء رسالتهم. وفي جائحة كورونا، على سبيل المثال، أعاد العالم اكتشاف القيمة الحقيقية لهذه المهنة، بعدما قدم العاملون فيها نماذج استثنائية من التضحية، حتى إن كثيرًا منهم فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم الإنساني.
ولا يقتصر دور الممرض على تنفيذ التعليمات الطبية، بل يمتد إلى تثقيف المرضى، ومتابعة حالتهم الصحية، والتدخل السريع عند الطوارئ، وتقديم الدعم النفسي لهم ولذويهم. ولهذا أصبحت مهنة التمريض أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها أي نظام صحي ناجح.
ورغم شيوع لقب "ملائكة الرحمة"، فإن هناك تسميات أخرى تُستخدم في بلدان مختلفة أو في الأدبيات الصحية والإعلامية، من أبرزها:
جنود الصحة؛ تقديرًا لدورهم في مواجهة الأمراض والأزمات.
حراس الحياة؛ لأنهم يلازمون المرضى ويحافظون على استقرار حالاتهم.
سفراء الإنسانية؛ لما يجسدونه من قيم الرحمة والإحسان.
الجيش الأبيض؛ وهو لقب يطلق على الكوادر الصحية عمومًا، بما فيهم الممرضون، في إشارة إلى الزي الأبيض الذي يرمز للنقاء والخدمة.
صُنّاع الأمل؛ لما يبعثونه من طمأنينة وثقة في نفوس المرضى.
ومهما تعددت الألقاب، تبقى الحقيقة واحدة: إن قيمة الممرض لا تُقاس بما يُطلق عليه من أوصاف، بل بما يقدمه من عمل صامت، وجهد متواصل، وتضحيات لا يراها كثيرون. فالتمريض ليس مجرد وظيفة، بل رسالة إنسانية تتطلب علمًا، وصبرًا، وشجاعة، ورحمة.
إن تكريم الممرضين لا ينبغي أن يقتصر على الألقاب الرنانة أو عبارات الثناء الموسمية، بل يجب أن يترجم إلى بيئة عمل آمنة، وتأهيل مستمر، وحماية لحقوقهم، وتقدير يوازي حجم المسؤولية التي يحملونها. فالمجتمعات التي تكرم من يداوي آلام الناس، إنما تكرم إنسانيتها قبل كل شيء.
ويبقى لقب "ملائكة الرحمة" تعبيرًا شعبيًا صادقًا عن الامتنان، لكنه في جوهره شهادة تقدير لمن اختاروا أن يجعلوا من الرحمة مهنة، ومن خدمة الإنسان رسالة، ومن العطاء أسلوب حياة.