الفن التشكيلي في تونس... ذاكرة الألوان وهوية المكان

قبل 3 ساعات


درة بن سعيد
بقلم: درة بن سعيد
ارشيف الكاتب


يمتلك الفن التشكيلي التونسي تاريخًا غنيًا تشكل من تداخل الحضارات التي مرت على البلاد، من القرطاجيين والرومان إلى الحضارة العربية الإسلامية، وصولًا إلى العصر الحديث. وقد ترك هذا التنوع أثره في نظرة الفنان التونسي إلى اللون والشكل والفضاء، فكانت اللوحة انعكاسًا لذاكرة المكان وتفاصيل الحياة اليومية.


عرفت تونس منذ بدايات القرن العشرين بروز أسماء ساهمت في نقل الرسم من مرحلة التأثر بالنماذج الأوروبية إلى البحث عن أسلوب تونسي خاص. ويُعد الفنان يحيى التركي من أبرز رواد هذا المسار؛ فقد ارتبطت أعماله بالإنسان التونسي وفضاءاته الشعبية، فرسم الأسواق والأزقة والبيوت ومشاهد الحياة اليومية، مانحًا التفاصيل البسيطة قيمة جمالية وتاريخية.


وفي سنة 1949 ظهرت مدرسة تونس التي شكلت منعطفًا مهمًا في تاريخ الفن التشكيلي التونسي. لم تكن هذه المدرسة مجرد اتجاه فني موحد، بل كانت لقاءً بين تجارب متعددة هدفها تقديم صورة مختلفة عن تونس، بعيدًا عن النظرة الاستشراقية التي سادت خلال الفترة الاستعمارية. وقد جمعت عددًا من الفنانين الذين بحثوا عن لغة بصرية تستمد عناصرها من التراث والبيئة والذاكرة المحلية.


ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة الفنان عبد العزيز القرجي، الذي ترك بصمة واضحة في الرسم والخزف والنسيج الفني والعمل الجداري. وتميز أسلوبه بالجمع بين الحداثة واستلهام الرموز الشعبية والتقاليد التونسية. كما برز فنانون آخرون مثل علي بلاغة وجلال بن عبد الله وعمار فرحات، وأسهموا في إثراء المشهد التشكيلي التونسي.


بعد الاستقلال، واصل الفنانون التونسيون تطوير تجاربهم، فظهرت اتجاهات أكثر تنوعًا، من التجريد إلى التجارب المعاصرة التي استفادت من التحولات العالمية مع الحفاظ على صلة عميقة بالهوية المحلية. وأصبحت المعارض الفنية والفضاءات الثقافية في تونس ملتقى للأجيال الجديدة التي تبحث عن أساليب جديدة للتعبير.


إن خصوصية الفن التشكيلي التونسي تكمن في قدرته على تحويل عناصر الحياة اليومية إلى لغة جمالية: لون الأبواب الزرقاء في سيدي بوسعيد، ضوء المتوسط، الأسواق القديمة، العمارة العتيقة، وملامح الإنسان التونسي. فالفنان لم يرسم تونس كما تبدو فقط، بل كما تسكن الذاكرة والوجدان.


وهكذا يبقى الفن التشكيلي في تونس سجلًا بصريًا مفتوحًا، يحفظ حكاية شعب وحضارة، ويؤكد أن اللوحة ليست مجرد مساحة للألوان، بل مساحة للهوية والإنسان والزمن.