الدكتور عبدالله سالم لملس
نائب رئيس مجلس شبوة الوطني العام
قبل كل شيء، يطيب لي أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى المعهد الأوروبي للسلام، وإلى جميع القائمين على هذا المسار الحواري، لما بذلوه من جهود مخلصة في تهيئة بيئة مناسبة للحوار، وإدارة جلساته بروح من المهنية والحياد، بما أتاح للمكونات السياسية الجنوبية فرصة الالتقاء، وتبادل الرؤى، وبناء جسور الثقة عبر ست جولات متتالية امتدت على مدى سنوات.
كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى جميع الإخوة في المكونات السياسية الجنوبية المشاركة، الذين أثبتوا، رغم اختلاف الرؤى والاجتهادات، أن الحوار المسؤول يظل الطريق الأمثل للتقارب، وأن تغليب المصلحة العامة يمكن أن يفتح آفاقاً أوسع للتفاهم والعمل المشترك، ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها الشراكة والاحترام المتبادل.
لم تكن الجولة السادسة والأخيرة من الحوار بين المكونات السياسية الجنوبية مجرد محطة ختامية لسلسلة من اللقاءات، بل مثلت انتقالاً من مرحلة بناء الثقة وتبادل وجهات النظر إلى مرحلة أكثر نضجاً في صياغة تصورات مشتركة حول مستقبل الجنوب، ودوره في أي تسوية سياسية شاملة في اليمن.
لقد أكدت هذه الجولة أن الحوار ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لبناء شراكة سياسية حقيقية، قوامها الاعتراف بالتعددية، واحترام الاختلاف، والبحث عن المشتركات التي تجمع ولا تفرق، وتقديم المصلحة الوطنية على ما عداها.
ومنذ انطلاق هذا المسار، كان مجلس شبوة الوطني العام حاضراً فيه بقناعة راسخة مفادها أن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُبنى بمنطق الإقصاء أو احتكار القرار، وإنما بالشراكة بين جميع مكوناته السياسية والمجتمعية، وبما يتيح لكل محافظة ولكل مكون أن يسهم في رسم المستقبل وفق قاعدة العدالة والتكافؤ.
وقد حرص المجلس، منذ البداية، على أن تكون مشاركته إيجابية ومسؤولة، تستند إلى الإيمان بقيمة الحوار، والدفاع عن الشراكة الوطنية، والبحث عن حلول واقعية تعزز الاستقرار وتخدم مصالح المواطنين، انطلاقاً من قناعة بأن التوافق هو الطريق الأقصر نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
وقد جاءت مخرجات الجولة السادسة لتعكس قدراً كبيراً من هذا الفهم، سواء في التأكيد على الحلول السياسية، واحترام التعددية، ورفض استخدام العنف لفرض المشاريع السياسية، أو في الدعوة إلى تمثيل عادل ومتوازن للمكونات والمحافظات، وإشراك المرأة والشباب ومنظمات المجتمع المدني، ووضع آليات واضحة لمتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
كما حملت المخرجات رؤية متقدمة بشأن القضايا المرتبطة بشكل الدولة خلال المرحلة الانتقالية، وتعزيز اللامركزية، وتوزيع السلطة والثروة بصورة عادلة، وتمكين المحافظات من إدارة شؤونها، إلى جانب التأكيد على أهمية بناء مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وترسيخ سيادة القانون، ومعالجة آثار الصراع من خلال العدالة الانتقالية وجبر الضرر.
ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها أيضاً، تأكيد المشاركين على أهمية تشكيل لجنة تحضيرية للحوار وفق معايير واضحة وشفافة، بما يضمن تمثيلاً متوازناً للمكونات السياسية والمحافظات، ويحول دون احتكار أي جهة لعملية الاختيار، وهو ما يعزز الثقة في أي مسار حواري مقبل، ويهيئ الظروف لإنجاح مراحله اللاحقة.
كما عكست الوثائق الصادرة عن الجولة إدراكاً متزايداً بأن نجاح أي حوار سياسي لا يقاس فقط بجودة مخرجاته، وإنما بقدرته على إيجاد آليات عملية للتنفيذ والمتابعة، والاستفادة من الخبرات والتجارب الدولية، مع الحفاظ على خصوصية الواقع الجنوبي واليمني، واحترام إرادة أبنائه.
وإذا كانت هذه الجولات الست قد أرست قاعدة مهمة للحوار بين المكونات السياسية الجنوبية، فإنها تتكامل بصورة طبيعية مع الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية، بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية والأمم المتحدة، في إطار الترتيبات الجارية للحوار الجنوبي القادم. فالمساران ليسا متنافسين، بل متكاملان، إذ يسهم كل منهما في تهيئة المناخ السياسي، وتعزيز الثقة، وتوسيع مساحات التوافق، وصولاً إلى حوار جنوبي أكثر شمولاً، قادر على الإسهام في دعم مسار السلام، وتحقيق الاستقرار، وفتح آفاق التنمية.
إن اختتام الجولة السادسة لا يمثل نهاية لهذا المسار، بل بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها معيار النجاح هو القدرة على تحويل ما تم التوافق عليه إلى واقع عملي يخدم المواطنين، ويعزز الاستقرار، ويرسخ مؤسسات الدولة، ويصون الحقوق والحريات.
وسيظل مجلس شبوة الوطني العام، كما كان منذ انطلاق هذا المسار، شريكاً فاعلاً في كل جهد وطني يسعى إلى تعزيز الحوار، وترسيخ الشراكة، وبناء الدولة القائمة على سيادة القانون والمؤسسات، انطلاقاً من قناعته الراسخة بأن مستقبل الجنوب لا يصنعه طرف واحد، وإنما يصنعه الجميع بالحوار، والتوافق، والإرادة الصادقة، والعمل المشترك من أجل السلام والتنمية والازدهار.
والله ولي التوفيق.