في تاريخ الأمم، ليست كل المعارك تبدأ بصوت المدافع، ولا كل التحولات تُعلن من ساحات القتال.
فكثيراً ما كانت الكلمة السياسية الواضحة، والرؤية الاستراتيجية المتماسكة، هي الشرارة الأولى التي تسبق المنعطفات الكبرى.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة خطاب فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، باعتباره خطاباً يتجاوز اللحظة الراهنة، ويضع ملامح مرحلة جديدة عنوانها استعادة الدولة وترتيب أولوياتها.
لقد اختار الرئيس أن يبدأ من الاقتصاد، واضعاً استئناف تصدير النفط في مقدمة الأولويات، وهي رسالة لا يمكن اختزالها في بعدها المالي فحسب.
فالنفط في الحالة اليمنية ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو عنوان لسيادة الدولة واستقلال قرارها، وشريان يعيد الحياة إلى مؤسساتها، ويمكنها من الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين، وإعادة بناء قدراتها في مختلف المجالات.
إن قراءة متأنية للخطاب تكشف أنه لم يكن موجهاً إلى الداخل الاقتصادي وحده، بل حمل في طياته رسائل سياسية ووطنية متعددة الاتجاهات. فقد خاطب الشعب بلغة الأمل والثقة، وخاطب القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بلغة المسؤولية التاريخية، مؤكداً أن الدولة لا تُستعاد إلا بإرادة وطنية موحدة، ومؤسسات قوية، والتفاف شعبي واسع حول المشروع الجمهوري.
ومن هنا، تبدو الرسالة الأعمق في الخطاب أن لحظة الاصطفاف الوطني قد أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وأن مسؤولية استعادة الدولة ليست مسؤولية القوات المسلحة والأمن وحدهما، بل مسؤولية وطنية جامعة، ينهض بها الشعب بكل مكوناته، والقبائل، والقوى السياسية والاجتماعية، في إطار مشروع وطني يستهدف إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية، وبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني، بما يرسخ سيادة القانون ويحفظ وحدة البلاد.
وفي قراءة سياسية للتجارب التاريخية، يبرز تشابه في منهج ترتيب الأولويات مع ما اتبعه الرئيس المصري الراحل أنور السادات قبل حرب أكتوبر، حين عمل على تهيئة الدولة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً قبل الانتقال إلى مرحلة المواجهة.
ولا يعني ذلك تطابقاً بين التجربتين أو الظروف، لكنه يبرز أهمية الرؤية الاستراتيجية التي تجعل بناء عناصر القوة الوطنية مقدمة لأي تحول كبير.
واليوم، تبدو اليمن في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من التفكير؛ فاستعادة الموارد الاقتصادية، وتعزيز تماسك المؤسسات العسكرية والأمنية، وتوحيد الجبهة الداخلية، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في مشروع وطني واحد، غايته إعادة الاعتبار للدولة وإنهاء سنوات الانقسام والصراع.
لقد حمل خطاب الرئيس العليمي، في تقديري، ملامح خطاب دولة لا خطاب مرحلة عابرة؛ دولة تسعى إلى استعادة قرارها، وإحياء اقتصادها، وتعزيز مؤسساتها، وتوحيد قواها الوطنية.
كما حمل رسالة مفادها أن معركة اليمن الحقيقية ليست مجرد معركة ميدانية، وإنما معركة وعي، وإرادة، وبناء مؤسسات، واستعادة الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إن الشعوب التي تنشد الحرية لا تكتفي بانتظار المستقبل، بل تصنعه بإرادتها ووحدتها. واليمن، التي دفعت أثماناً باهظة خلال سنوات الحرب، تقف اليوم أمام فرصة لإعادة بناء مشروعها الوطني على أسس الجمهورية والدولة والمؤسسات.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الالتفاف حول مؤسسات الدولة، وتعزيز تماسك القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتغليب المصلحة الوطنية، عناصر أساسية في أي مسار نحو الاستقرار.
ويبقى الرهان الحقيقي على أن تتحول هذه الرؤية إلى خطوات عملية تعزز حضور الدولة في مختلف المحافظات، وتدعم الاقتصاد الوطني، وتوسع مساحة التوافق بين القوى الوطنية، بما يفتح الطريق أمام استعادة مؤسسات الدولة، وترسيخ الأمن، وتحقيق تطلعات اليمنيين في وطن يسوده القانون وتعلو فيه راية الجمهورية على كامل ترابه الوطني.