لم يكن الخطاب الذي وجهه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد محمد العليمي، مجرد كلمة سياسية عابرة، ولا بيانا تقليديا يتكرر في المناسبات. لقد جاء بلغة مختلفة، وحمل رسائل واضحة وحاسمة، تؤكد أن الدولة انتقلت من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة العمل على إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسساتها..
فالدعوة الصريحة إلى الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والإعلان عن استئناف تصدير النفط وتسخير عائداته لخدمة المواطنين، والتأكيد بأن الوقت قد حان لإنهاء المعاناة التي صنعتها مليشيا الحوثي، كلها مؤشرات تعكس إرادة سياسية تبدو أكثر وضوحا وحسما من أي وقت مضى..
وتتحدث تقديرات ومعلومات متداولة في الأوساط السياسية عن أن هناك ترتيبات واسعة يجري الإعداد لها، وأن مجلس القيادة الرئاسي يستعد لقيادة المرحلة المقبلة بصورة مباشرة، مع توزيع للأدوار والمسؤوليات الميدانية بين أعضائه، بما يجعل القيادة السياسية والعسكرية حاضرة في قلب المعركة، لا بعيدة عنها. ووفقا لهذه التقديرات، سيقود الدكتور رشاد العليمي التحرك من تعز، والعميد طارق صالح من جبهة الحديدة، والعميد محمود الصبيحي من لحج، والدكتور عبدالله العليمي من شبوة، واللواء سلطان العرادة من مأرب والجوف، والعميد أبو زرعة المحرمي من الضالع، وعثمان مجلي من صعدة، على أن يكون الهدف النهائي هو الالتقاء في العاصمة صنعاء بعد استعادة مؤسسات الدولة.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس تحولا استراتيجيا غير مسبوق، عنوانه أن أعضاء مجلس القيادة لن يكتفوا بإدارة المعركة من غرف العمليات، بل سيكونون في مقدمة الصفوف، بما يمنح القوات المسلحة والمقاومة الوطنية دفعة معنوية كبيرة، ويؤكد أن معركة استعادة الدولة أصبحت مسؤولية يتقدمها القادة بأنفسهم..
ويبدو أن هذا التوجه يحظى بحالة متنامية من الالتفاف الشعبي، بعد سنوات طويلة من المعاناة التي فرضها انقلاب الحوثيين على اليمنيين، وما ترتب عليه من انهيار اقتصادي، وانقطاع للرواتب، وتدمير لمؤسسات الدولة، وتحويل اليمن إلى ساحة لخدمة أجندات خارجية لا تمت لمصالح الشعب اليمني بصلة..
كما أن المتغيرات الإقليمية والدولية تشير إلى وجود تفهم متزايد لضرورة إنهاء هذا الانقلاب، بعدما باتت ممارسات المليشيا تمثل تهديدا لا لليمن وحده، بل لأمن المنطقة والملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي..
لقد حمل خطاب الرئيس العليمي رسالة إلى الداخل والخارج في آن واحد: أن السلام لا يمكن أن يقوم في ظل انقلاب مسلح، وأن استعادة الدولة لم تعد مجرد شعار سياسي، بل هدف وطني يسعى اليمنيون إلى تحقيقه، بدعم مؤسساتهم الشرعية وبإسناد أشقائهم وأصدقائهم..
ويبقى الرهان الأكبر على وحدة الصف الوطني، وعلى قدرة جميع القوى المناهضة للانقلاب على تجاوز الخلافات، والالتفاف حول مشروع الدولة والجمهورية، لأن معركة اليوم ليست معركة جغرافيا، بل معركة استعادة وطن، وإنهاء حقبة من الانقسام، وفتح الطريق أمام يمن آمن ومستقر يتسع لجميع أبنائه..