من إدارة الأزمة إلى إنهاء الانقلاب.. قراءة في خطاب الرئيس رشاد العليمي

قبل 13 ساعة


مصطفى غليس
بقلم: مصطفى غليس
ارشيف الكاتب

يمثل خطاب الرئيس اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة والأمن، الذي ألقاه اليوم، خطاب تعبئة وطنية وتهيئة سياسية واقتصادية وعسكرية لمعركة استعادة الدولة، مع إبقاء منفذ محدود للسلام المشروط بإنهاء الانقلاب وسلطة السلاح.


وإلى جانب إعلان الرئيس استئناف تصدير النفط، وتخصيص عائداته لصرف رواتب الموظفين وخدمة المواطنين في مختلف مناطق البلاد، حمل الخطاب جملة من الرسائل المهمة التي لا يمكن فصلها عن خطاباته السابقة، ولا عن قرارات الاجتماع الطارئ لمجلس الدفاع الوطني والتصريحات الرئاسية الأخيرة.


ويمكن استخلاص أبرز ما جاء فيه في المحاور الآتية:


أولًا: الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهاء الانقلاب


أبرز ما في الخطاب تأكيد الرئيس العليمي أن الوقت قد حان لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، ودعوته اليمنيين إلى الالتفاف حول القوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية.


ويعني ذلك أن الخطاب لم يعد يتحدث عن احتواء الحوثي أو إدارة حالة اللاسلم واللاحرب، بل حدد هدفًا سياسيًا وعسكريًا واضحًا يتمثل في استعادة مؤسسات الدولة وطي صفحة الانقلاب.


وقد استخدم الرئيس عبارات قوية، من بينها: «لحظة فاصلة»، و«آن الأوان»، و«ينتهي هذا الكابوس»، و«طي هذه الصفحة الأليمة إلى غير رجعة».


ثانيًا: دعوة صريحة إلى التعبئة الوطنية


لم يقتصر الخطاب على مخاطبة الجيش، بل دعا القبائل اليمنية، والقوى السياسية والوطنية، والشباب والمرأة، وأبناء المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومختلف مكونات الشعب، إلى الالتفاف حول مشروع الدولة ودعم القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية.


وتكشف هذه الدعوة أن القيادة تسعى إلى تحويل المواجهة من معركة تخوضها الحكومة وحدها إلى معركة وطنية جامعة ضد الحوثي، مع التركيز بصورة خاصة على القبائل والمجتمعات الواقعة تحت سيطرته.


ثالثًا: توحيد القوات والتشكيلات تحت هدف واحد


يحمل استخدام عبارة «القوات المسلحة وكافة التشكيلات العسكرية» دلالة مهمة، إذ يعكس ثقة القيادة بقدرتها على تجاوز تعدد التشكيلات والانقسامات السابقة، وجمعها خلف هدف مركزي واحد هو استعادة الدولة.


ويعزز ذلك انعقاد اجتماع مجلس الدفاع الوطني بحضور جميع أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، ومناقشته جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية، ومستوى التنسيق بينها لمواجهة التصعيد الحوثي.


ومع ذلك، لم يعلن الخطاب تفاصيل عمليات عسكرية أو جبهات محددة أو توقيتًا للتحرك، ما يعني أنه خطاب تعبئة وتهيئة سياسية وعسكرية، وليس إعلانًا رسميًا لساعة الصفر.


رابعًا: إعلان استئناف تصدير النفط


يمثل إعلان استئناف تصدير النفط أبرز نقطة تنفيذية واقتصادية في الخطاب.


فقد أعلن الرئيس العمل على استئناف التصدير «بكل الوسائل»، وتخصيص عائداته لصرف رواتب الموظفين، وتحسين الخدمات، والوفاء بالتزامات الدولة، ودعم الاستقرار الاقتصادي.


ويحمل هذا الإعلان رسالتين واضحتين:


الأولى أن الحكومة قررت عدم القبول باستمرار تعطيل أهم مورد سيادي للدولة نتيجة التهديدات والهجمات الحوثية.


والثانية أن القيادة تربط معركة استعادة الدولة بمعيشة المواطنين وخدماتهم، ولا تقدمها بوصفها مواجهة عسكرية مجردة.


كما أقر مجلس الدفاع الوطني إجراءات عسكرية وأمنية واقتصادية وإدارية لاستئناف التصدير وحماية مؤسسات الدولة ومنشآتها الحيوية.


خامسًا: تحميل الحوثي مسؤولية المعاناة


رفض الرئيس العليمي رواية «الحصار» التي يستخدمها الحوثي، وحمّل الجماعة مسؤولية معاناة اليمنيين نتيجة انقلابها على الدولة، ونهب الرواتب والمساعدات، وتدمير الاقتصاد، واستهداف المنشآت النفطية، وتجنيد الأطفال، وتفجير المنازل، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات للقمع، واستخدام معاناة المواطنين لابتزاز المجتمع الدولي.


وبذلك أعاد الخطاب تعريف الصراع أمام اليمنيين، باعتباره صراعًا بين الدولة ومشروع مسلح صنع الجوع والحرب، وليس صراعًا بين الحوثي والخارج كما تحاول الجماعة تصويره.


سادسًا: تفنيد ذريعة مطار صنعاء


خصص الخطاب مساحة واضحة لقضية الرحلات الجوية، وأكد أن الحكومة قدمت مبادرات لتشغيل مطار صنعاء عبر الناقل الوطني بصورة قانونية وآمنة.


وأوضح أن الحوثيين لا يبحثون عن فتح المطار لخدمة المواطنين، وإنما عن تشغيل رحلات تخدم قيادات الجماعة وعائلاتها، وفرض الطيران الإيراني، وانتهاك السيادة اليمنية، وتحويل اليمن إلى منصة لخدمة المشروع الإيراني.


وهنا نقل الرئيس القضية من إطارها الإنساني الذي يحاول الحوثي استغلاله إلى إطار سيادي وأمني وقانوني.


سابعًا: ربط التصعيد الحوثي بالمشروع الإيراني


أكد الخطاب أن الحوثي يجر اليمن إلى صراعات إيران في المنطقة، ويهدد الملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة، وسيادة اليمن، وأمن المنطقة.


وهذه الرسالة لا تستهدف الداخل اليمني وحده، بل تخاطب المجتمع الدولي، وتؤكد أن بقاء الحوثي لا يمثل مشكلة يمنية داخلية فحسب، وإنما يشكل تهديدًا إقليميًا ودوليًا.


وكان الرئيس العليمي قد طالب في تصريحات سابقة بزيادة الضغوط الدولية على الجماعة، ومضاعفة عزلتها، وربط استقرار اليمن بأمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد العالمية.


ثامنًا: رسالة مباشرة إلى سكان مناطق الحوثي


خاطب الرئيس أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مباشرة، ودعاهم إلى عدم الانخداع بشعارات الجماعة، أو الدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال، أو السماح باستخدامهم وقودًا لحروب إيران.


وأوضح أن من يتحدث عن رفع الحصار هو نفسه من نهب رواتبهم وقوت أطفالهم، وصادر حرياتهم، وحوّل مناطقهم إلى مخزون بشري لحروبه.


وتشير هذه الفقرة إلى أن القيادة تراهن في المرحلة المقبلة على إضعاف الحاضنة الاجتماعية للحوثيين، وتحريك الرفض الشعبي من الداخل، بالتوازي مع الضغط العسكري والسياسي.


تاسعًا: إبقاء باب السلام مفتوحًا بشروط جديدة


رغم لهجة الخطاب العسكرية، لم يعلن الرئيس التخلي عن السلام، لكنه أعاد تعريفه وحدد شروطه.


فالسلام المقبول، وفق خطاب القيادة، يجب أن يؤدي إلى إنهاء أسباب الحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، واحتكارها للسلاح، واحترام الدستور والقانون، وإنهاء الطائفية والعنصرية، وألا يتحول إلى هدنة يستغلها الحوثي لإعادة ترتيب صفوفه والاستعداد لجولة جديدة من الحرب.


وهذا يعني أن القيادة لم تعد تقبل سلامًا يكرس سلطة الحوثي أو يحوله إلى دولة موازية داخل الدولة.


عاشرًا: الإشادة بالدعم السعودي


أشار الخطاب إلى الدعم السعودي للموازنة العامة ومؤسسات الدولة، ووصف استجابة المملكة لطلب الحكومة بالموقف الأخوي المشرف.


وجاءت هذه الإشارة في سياق اقتصادي وسياسي، لتأكيد أن الدعم السعودي أسهم في إبقاء مؤسسات الدولة قائمة بعد توقف صادرات النفط، وأن المملكة شريك أساسي في دعم التعافي الاقتصادي ومساندة الدولة في مواجهة الحوثي.


الخلاصة السياسية للخطاب


حمل الخطاب ثلاث رسائل مركزية:


الرسالة الأولى إلى الحوثي:

أن مرحلة فرض الأمر الواقع والابتزاز بالتصعيد والمطار والنفط تقترب من نهايتها، وأن الدولة تتجه إلى استعادة سيادتها ومواردها ومؤسساتها.


الرسالة الثانية إلى اليمنيين:

أن المعركة المقبلة هي معركة استعادة الجمهورية والدولة والرواتب والخدمات، وليست صراعًا بين قوى أو مناطق أو مكونات سياسية.


الرسالة الثالثة إلى المجتمع الدولي:

أن استمرار الحوثي يهدد الملاحة والطاقة والأمن الإقليمي، وأن دعم الدولة اليمنية أقل كلفة من ترك الجماعة تواصل التوسع والتصعيد وخدمة المشروع الإيراني.


والخلاصة أن هذا الخطاب هو أقرب خطابات الرئيس العليمي إلى إعلان مرحلة جديدة من المواجهة الشاملة مع الحوثيين، خصوصًا أنه جاء عقب اجتماع طارئ لمجلس الدفاع الوطني أقر إجراءات عسكرية وأمنية واقتصادية لمواجهة مختلف السيناريوهات.


ومع ذلك، لم يعلن الرئيس بدء عملية عسكرية شاملة، ولم يحدد موعدًا لها، ولذلك يمكن وصف الخطاب بأنه خطاب تعبئة وطنية وتهيئة سياسية واقتصادية وعسكرية لمعركة استعادة الدولة، مع إبقاء منفذ محدود للسلام المشروط بإنهاء الانقلاب وسلطة السلاح.


ولا تكمن أهمية الخطاب في لهجته العسكرية وحدها، بل في جمعه بين استئناف تصدير النفط، وتوحيد القوات والتشكيلات، وتحريك الداخل اليمني، وحشد الموقف الإقليمي والدولي، ضمن مسار واحد عنوانه الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة.