كانت لنا أيام.. حين كان للبدلة العسكرية هيبة وللجوع وقار! ..لا تزال تلك الأيام التي قضيناها في الخدمة العسكرية الإلزامية - عقب إنهائنا الثانوية العامة - محفورة في الذاكرة بأدق تفاصيلها؛ بمصاعبها الجمّة، وبقصصها التي صهرتنا جميعًا في بوتقة واحدة.. كانت خدمة حقيقية شاقة، نعم، لكنها امتلكت سحرًا خاصًا جعل منها طقسًا ممتعًا عصيًّا على النسيان؛ فقد كنا ننظر بمهابة وإجلال لكل من يرتدي تلك البدلة العسكرية، ونرى في رتبته انعكاسًا لهيبة الوطن بأكمله.
أتذكر يومًا أن ضابطًا برتبة «ملازم أول» دخل معسكر بدر يبحث عن متبرع بالدم لإنقاذ زوجته، فلم ينتظر المجندون الأوامر، بل «تقافزوا» نحو شاحنة النقل بلهفة مَن يذود عن أهله، دون أن تجمعهم بذاك الضابط معرفة سابقة، سوى أن على كتفه نجمتين تعنيان أنه ابن «المؤسسة» و«الوطن»! كانت تلك النجمتان كافيتين ليتسابق الجميع، حتى عجز الضابط عن استيعاب ذلك الحماس الجارف.
في تلك الأيام ، ورغم ضنك المعيشة، وسوء التغذية، وضآلة المرتبات التي كانت بالكاد
تسد الرمق، لم نكن نسمع عن اعتصام، ولا نرى احتجاجًا داخل أسوار المعسكرات أو خارجها؛ فقد كان الولاء للوطن وحده يُخدّر الأمعاء الخاوية، وكانت الصرامة العسكرية كفيلة بابتلاع أي تذمر قبل أن يخرج من حنجرة صاحبه.
أما اليوم، فقد باتت الشوارع مسرحًا مفتوحًا لمرمطة العسكري! بالكاد يمر يومٌ إلا ونطالع فيه أخبار التذمر المطالِب بإنهاء التمييز وصرف المستحقات.. ولعل أحدثها ، تلك الوقفة السلمية التي نفذها أفراد وضباط كتيبة حضرموت للمهام الخاصة أمام مجمع الدوائر الحكومية بمدينة سيئون، مطالبين بمرتباتهم المتوقفة منذ سبعة أشهر كاملة!.
والطرافة المُرّة في هذه الوقفة، أنها قطعت الحبل السرّي للعسكرية ونُصبت خيامها أمام مجمع دوائر السلطة المحلية، بدلًا من الاعتصام أمام مقر قيادة المنطقة العسكرية الأولى ذاتها! فهل تحولت المطالب العسكرية إلى معاملات إدارية تنتظر «توقيع المسؤول المدني» ، أم أن الهيبة العسكرية قررت التقاعد واللجوء إلى «البيروقراطية المدنية» لحل أزماتها؟
أن يطالب الجندي بحقه فهذا عين الصواب والقانون، لكن السخرية والألم تكمن في الواقع الذي أفرز هذا المشهد المزري .. عسكرٌ يتوشحون الشوارع، يرفعون لافتات المطالبة بالرواتب باليد التي يُفترض أ
ن تحمل السلاح للذود عن حمى الوطن «المفقود»! .. إنها مفارقة موجعة تدعو للرثاء؛ فعندما يتحول العسكر إلى محتجين يرفعون شعارات السلمية في ساحات المدن، وعندما تصبح القوة الضاربة بحاجة إلى «وقفة احتجاجية» لكي تُؤمّن قوت يومها، فعلى الوطن أن يقرأ السلام على جاهزيته واستقراره.. فما الذي ننتظره حقًا من حارسٍ بات يجوب الشوارع بحثًا عما يسدّ به رمق أطفاله؟
لقد أصبحت البدلة العسكرية التي كانت تفرض الوقار، تقف اليوم في طوابير الانتظار أمام بوابات المجمعات الحكومية.. ورحم الله أيامًا كان الجندي فيها يتبرع بدمه للوطن، قبل أن يستجدِي اليوم ما يشتري به دواءً لعياله!