وزارة التربية والتعليم... من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات ..

قبل 12 ساعة


عارف ناجي علي
بقلم: عارف ناجي علي
ارشيف الكاتب

حين نتحدث عن وزارة التربية والتعليم فإننا لا نتحدث عن مؤسسة حكومية عادية بل عن الجهة التي تصنع الإنسان وتؤسس لمستقبل الوطن غير أن الوزارة ورثت خلال السنوات الماضية تركة ثقيلة تراكمت بفعل الحرب والانقسام وضعف الإمكانات وتراجع التمويل وتداخل الاعتبارات السياسية مع العمل الإداري والمهني الأمر الذي أضعف الأداء المؤسسي وأثر في جودة العملية التعليمية.


لقد كانت سنوات الحرب من أصعب المراحل التي مر بها التعليم في اليمن فقد تراجعت الموازنات التشغيلية وتوقفت مشاريع التطوير وتضررت البنية التحتية للمدارس واستمرار نزيف الكوادر التربوية وهناك سيتم إحالة أعداد كبيرة من المعلمين إلى التقاعد دون توفير بدائل كافية، وعزووف طلاب الثانوية عن الالتحاق بكلية التربية بينما يواصل المعلمون أداء رسالتهم في ظروف استثنائية وبإمكانات محدودة وفي خضم هذه التحديات غلبت في كثير من الأحيان إدارة الأزمات وردود الأفعال على التخطيط الاستراتيجي وأصبح القرار السياسي يتقدم على الاعتبارات المهنية مما أفرز عملاً عشوائياً في بعض المفاصل وأضعف البناء المؤسسي.


وخلال السنوات الماضية كتبت في أكثر من مقال ومنشور عن واقع التعليم متناولًا التحديات التي تعيق تطوره من تراجع جودة المخرجات وأزمة المعلم وضعف التمويل واتساع الفجوة بين الخطط والتنفيذ وفي المقابل كنت حريصًا على الإشادة بكل خطوة إيجابية تسهم في تصحيح المسار انطلاقًا من قناعة بأن النقد المسؤول يهدف إلى الإصلاح وأن تشخيص الخلل هو البداية الحقيقية لمعالجته.


واليوم تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسة فالوزارة تمتلك خططًا واستراتيجيات أُعدت خلال السنوات الماضية لكنها تحتاج إلى الإرادة والإمكانات والقدرة على التنفيذ وليس إلى إعداد خطط جديدة تُضاف إلى الأرشيف.


وفي هذا السياق يبرز تعزيز العمل المؤسسي باعتباره المدخل الحقيقي لأي إصلاح مستدام وهو النهج الذي تُعرف به قيادة وزارة التربية والتعليم الحالية بقيادة معالي وزير التربية والتعليم أ. د عادل العبادي الذي يؤمن بأن نجاح الوزارة لا يتحقق بالاجتهادات وإنما ببناء مؤسسة تعمل وفق الأنظمة واللوائح وتعتمد التخطيط وتوزيع المسؤوليات وتمكين الكفاءات وقياس الأداء وترسيخ ثقافة العمل الجماعي.


غير أن نجاح هذا التوجه لن يتحقق بجهود الوزارة وحدها بل يتطلب دعمًا حكوميًا حقيقيًا يجعل التعليم في صدارة الأولويات الوطنية فالإصلاح يحتاج إلى توفير الموازنات التشغيلية وتحسين أوضاع المعلمين وتمويل مشاريع تطوير المدارس ودعم برامج التأهيل والتدريب وتمكين الوزارة من تنفيذ خططها الاستراتيجية فنجاح وزارة التربية والتعليم هو نجاح للحكومة والدولة لأن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأهم في مستقبل الوطن

كما أن المرحلة القادمة تتطلب شراكة فاعلة بين الحكومة والسلطات المحلية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية لتوفير الموارد اللازمة وتحويل الخطط إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن المعالجات المؤقتة التي أثبتت التجربة محدودية أثرها.


ولا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم دون إعادة الاعتبار للمعلم فهو الركيزة الأساسية للعملية التعليمية إلى جانب تطوير المناهج وتحسين البيئة المدرسية ومعالجة الفاقد التعليمي والاستفادة من التحول الرقمي بما يواكب متطلبات العصر ويعيد الثقة بالتعليم الحكومي.


إن الطموح اليوم لا يقتصر على تجاوز آثار الحرب بل يتجه نحو بناء وزارة حديثة، قوية بمؤسساتها، وقادرة على قيادة إصلاح تعليمي مستدام ينعكس أثره على الطالب والمعلم والمجتمع فالطريق ليس سهلاً والتحديات ما زالت كبيرة لكن الإرادة والعمل المؤسسي والدعم الحكومي الصادق كفيلة بتحويل الخطط إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع وإعادة التعليم إلى مكانته الطبيعية باعتباره أساس بناء الدولة ومستقبل الأجيال.


-عارف ناجي علي

مستشار وزارة التربية والتعليم