ليست كل جامعة تصنع معرفة، كما ليست كل شهادة دليلا على الوعي. فبعض المؤسسات التعليمية لا تخرّج عقولًا حرة، بل تُخرّج أفرادا أكثر طاعة، يتقنون حفظ الإجابات ويخشون طرح الأسئلة. وحين تتحول الجامعة من فضاء لإنتاج الفكر إلى مصنع لإنتاج الموظفين، يصبح المجتمع أكثر تعليمًا على الورق، لكنه أكثر فقرا في الوعي، ويغدو المثقف جزءًا من الأزمة بدلًا من أن يكون أداة لتغييرها. فالجهل لا ينتشر فقط حيث تغيب المدارس، بل أيضًا حيث تفشل الجامعات في تعليم الناس كيف يفكرون.لقد أصبح التعليم، في كثير من الدول، مشروعًا لإعادة إنتاج النظام القائم أكثر من كونه مشروعًا لإنتاج المعرفة. والجامعة التي كان يفترض أن تكون فضاءً للحرية الفكرية، تحولت تدريجيًا إلى مؤسسة بيروقراطية تخرّج أفرادا يجيدون تنفيذ التعليمات أكثر مما يجيدون التفكير فيها. و تبدأ المأساة الحقيقية، لأن المجتمع لا يخسر مجرد مفكر، بل يخسر قدرته على تصحيح نفسه.
إن أزمة المثقف ليست أزمة أفراد، وإنما أزمة مؤسسة. فالمثقف المعقم لا يولد هكذا، بل تصنعه منظومة تعليمية تعلمه منذ سنواته الأولى أن الإجابة الصحيحة أهم من السؤال الصحيح، وأن الحفظ أفضل من الفهم، وأن النجاح يقاس بالدرجات لا بعمق التفكير. يدخل الطفل المدرسة بدافع الفضول، لكنه يغادرها بعد سنوات وهو يخشى الخطأ أكثر مما يحب الاكتشاف.ومنذ المراحل الأولى، يتعلم الطالب أن المعرفة ليست رحلة بحث، بل سباق نحو الامتحان. يقرأ الكتاب لأنه سيدخل الاختبار، لا لأنه يريد فهم العالم. يحفظ التعريفات، ويكررها كما هي، ثم ينساها بعد انتهاء الامتحان. وهكذا يتحول التعليم إلى عملية تخزين مؤقت للمعلومات، لا إلى بناء للعقل.وعندما يصل إلى الجامعة، لا تتغير الفلسفة، وإنما تصبح أكثر تعقيدًا. فالطالب لا يسأل ماذا اكتشفت؟ أو ما الفكرة التي أضفتها؟ بل يسأل هل التزمت بمنهجية القسم؟ هل رتبت الهوامش بصورة صحيحة؟ هل استوفيت عدد الصفحات؟ شيئًا فشيئًا يكتشف أن المؤسسة تكافئ الانضباط الشكلي أكثر مما تكافئ الإبداع، وأن الطريق إلى النجاح يمر عبر الامتثال، لا عبر المغامرة الفكرية.وهكذا تتحول الرسائل الجامعية إلى وثائق مكتملة الشكل، لكنها فارغة من الروح. تتكاثر المراجع، وتزداد الاقتباسات، بينما تختفي الفكرة الجديدة. يصبح البحث الأكاديمي تمرينًا في التوثيق، لا محاولة لاكتشاف الحقيقة. ويغدو الطالب خبيرًا في كتابة ما يريده الأستاذ، لا ما يقتنع هو به.
بعد سنوات من هذا التدريب، لا يتخرج حاملا مشروعا فكريا، بل حاملًا عقلية إدارية. يعرف كيف يملأ الاستمارات، ويكتب التقارير، ويكرر المصطلحات الأكاديمية، لكنه لا يمتلك الجرأة على مساءلة الأفكار التي تعلمها. إنه يعرف كيف يعمل داخل المؤسسة، لكنه لا يعرف كيف ينتقدها.ولا تنتهي الأزمة عند التخرج، بل تبدأ مرحلة أكثر خطورة داخل السلم الأكاديمي نفسه. فالأستاذ الشاب يدرك بسرعة أن مستقبله لا يتوقف دائمًا على جودة إنتاجه العلمي، وإنما على قدرته على تجنب الصدام، وإرضاء أصحاب النفوذ، والمشاركة في اللجان، والحفاظ على شبكة العلاقات. ومع مرور الوقت، يصبح الصمت استثمارا، والمجاملة وسيلة للترقي، بينما تتحول الجرأة الفكرية إلى مخاطرة مهنية.بهذه الطريقة لا تنتج الجامعة علماء مستقلين، وإنما تنتج نخبة متشابهة في اللغة، ومتقاربة في المواقف، ومتشابهة حتى في طريقة التفكير. ليس لأن الجميع مقتنع بالفكرة نفسها، بل لأن المؤسسة كافأت من يردد الخطاب نفسه، وأقصت من حاول الخروج عنه.لكن المشكلة لا تتوقف عند أسوار الجامعة. فحين يفشل التعليم في إنتاج العقل النقدي، يبدأ المجتمع كله في دفع الثمن. المجتمع الذي لا يتعلم أفراده التفكير، يصبح أكثر استعدادًا لتصديق الإشاعة من الحقيقة، والخرافة من العلم، والخطابة من البرهان. وعندما يختفي التفكير النقدي، يصبح الجهل أكثر تنظيمًا من المعرفة.لهذا لا يقاس الجهل بعدد الأميين، بل بعدد المتعلمين الذين توقفوا عن التفكير. فكم من حامل شهادة جامعية يرفض الحقائق العلمية لأنها تخالف ما اعتاده، وكم من أكاديمي يكرر أفكارًا مضى عليها عشرات السنين دون أن يحاول مراجعتها. إن أخطر أنواع الجهل ليس جهل من لا يعرف، بل جهل من يظن أنه يعرف كل شيء.والمجتمع الذي يقدس الشهادة أكثر من الفكرة، يخلق بيئة يزدهر فيها هذا النوع من الجهل. فالناس لم يعودوا يسألون: ماذا قال هذا الشخص؟ وإنما يسألون: ما درجته العلمية؟ وكأن الحقيقة تصدر من اللقب الأكاديمي، لا من قوة الحجة. وهكذا تتحول الشهادات إلى سلطة اجتماعية، بينما يتراجع النقاش العقلي أمام هيبة الألقاب.
ولأن العقل النقدي غائب، يصبح المجتمع أكثر قابلية للاستقطاب. تنتشر الشعبوية بسهولة، وتصبح العواطف أقوى من الوقائع، ويعلو صوت الخطيب على صوت الباحث. وحين يحدث ذلك، لا يعود السياسي بحاجة إلى تقديم حلول، بل يكفيه أن يقدم شعارات. ولا يعود رجل الدين أو زعيم القبيلة أو المؤثر مطالبًا بإثبات كلامه، لأن الجمهور فقد عادة السؤال.وتتشكل الحلقة الأخطر: تعليم ضعيف ينتج مثقفا تابعا، ومثقف تابع يعجز عن تنوير المجتمع، ومجتمع غير ناقد يعيد إنتاج التعليم الضعيف نفسه. إنها دائرة مغلقة يتغذى فيها الجهل من المؤسسات التي كان يفترض أن تحاربه.كما تتحمل المؤسسات الثقافية جزءا كبيرا من هذه المسؤولية. فكثير من الندوات والملتقيات تحولت إلى مناسبات بروتوكولية يتكرر فيها الضيوف أنفسهم، والخطابات نفسها، والتوصيات نفسها. يكثر الحديث عن الإصلاح، لكن قليلًا من المتحدثين يقتربون من جذور الأزمة. أصبحت الثقافة، في حالات كثيرة، احتفالًا بالمثقفين، لا احتفالًا بالأفكار.ولذلك لم يعد معيار النجاح الثقافي هو إنتاج فكرة تغير وعي الناس، بل عدد الدعوات إلى المؤتمرات، وعدد الصور التذكارية، وعدد الشهادات والدروع. ومع مرور الوقت، يتحول المثقف إلى موظف ثقافي يدير الأنشطة، لكنه لا يصنع الأسئلة التي تقلق المجتمع.
إن الأمم لا تتقدم لأنها تعلم أبناءها القراءة والكتابة فقط، وإنما لأنها تعلمهم الشك المنهجي، والبحث، والنقد، والقدرة على مراجعة المسلمات. فالجامعة التي تخاف من السؤال، لا يمكنها أن تنتج معرفة. والمجتمع الذي يخاف من الاختلاف، لا يمكنه أن يصنع حضارة.ولذلك فإن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير المناهج وحدها، ولا ببناء قاعات جديدة، ولا بزيادة عدد الجامعات، وإنما يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الجامعة نفسها. هل هي مصنع للشهادات؟ أم مصنع للعقول؟ هل هدفها تخريج موظفين يملؤون الفراغ الإداري، أم تخريج مفكرين يعيدون تشكيل المستقبل فالجامعة التي تنتج موظفا ناجحا قد تخدم مؤسسة، لكنها لا تبني وطنا. أما الجامعة التي تنتج عقلا حرا، فإنها تبني مجتمعا قادرا على تصحيح أخطائه، ومواجهة أوهامه، وصناعة مستقبله بنفسه.ويكمن الفارق بين مجتمع يكتفي بتعليم أفراده كيف يطيعون، ومجتمع يعلمهم كيف يفكرون. الأول قد يحقق الاستقرار لبعض الوقت، لكنه يظل أسير الماضي. أما الثاني، فهو وحده القادر على صناعة المستقبل، لأن الحضارات لم تبدأ يومًا بإجابة محفوظة، وإنما بدأت دائمًا بسؤال جريء.
#زكريا_نمر