إن حرمة المساجد من حرمة الدين، وقداستها من قداسة الشعيرة، ورعايتها فريضة لا نافلة. والمسجد في الإسلام ليس جدراناً وسقفاً، هو بيت الله، ومدرسة التوحيد، ومنبر الوعي، وميثاق اجتماع الناس على البر والتقوى. ومن أُؤتمن على إدارته فقد حُمّل أمانة عظيمة يسأل عنها أمام الله ثم أمام خلقه، لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا.
وإننا إذ نخاطبكم اليوم بشأن مسجد المناصرين بمديرية المنصورة، فإننا لا نخاطبكم بخصوص أشخاص بأعيانهم، وإنما نخاطبكم بخصوص حالة إدارية وخدمية بلغت من التدهور مبلغاً لا يجوز معه السكوت. حالة صار فيها محراب الصلاة عرضة لدخول الحيوانات، وصارت ساحة المصلين مكاناً للعبث في أوقات الصلوات، وتحولت باحة المسجد الخارجية إلى مرفق يستخدمه الأطفال أثناء أداء الشعائر. هذا ليس تجنياً، هذا واقع يشهده المصلون ويتردد في شكاوى متكررة رُفعت للجهات المختصة منذ سنوات دون معالجة جذرية.
وإن الفقه والقانون يجتمعان على قاعدة واحدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وصون بيوت الله من صون الدين. وما يحدث اليوم يمس هيبة المسجد أولاً، وكرامة المصلين ثانياً، وهيبة الوقف والقائمين على أمره ثالثاً. وتنص اللوائح النافذة على أن إدارة المساجد ومرافقها ومتابعة شؤونها من صميم اختصاص وزارة الأوقاف والإرشاد والسلطة المحلية، وأن التفريط في صيانة المرافق العامة والإهمال في أداء الواجب الوظيفي مسؤولية يحاسب عليها النظام.
لقد مضى ما يزيد على عشر سنوات ولم تظهر فيها جهود تليق بمكانة بيت من بيوت الله من تأهيل أو صيانة أو تطوير. ومضت سنوات من المطالبات دون استجابة. ومضت سنوات من العجز عن معالجة الخلافات البسيطة التي تقع بين المصلين، حتى غاب الضبط وغابت القدوة. والسبب ظاهر لا يحتاج إلى دليل: غياب المتابعة والمحاسبة، وترك الأمر بلا ضوابط تحت ذرائع واهية لا تقيم حقاً ولا ترفع مظلمة.
وقد تفاقمت المشكلة بسبب ضعف الأداء الإداري الحالي، وعدم قدرة القائمين على ضبط شؤون المسجد وتنظيمه بما يليق بحرمة بيت الله.
والحق الذي لا مراء فيه أن تقديم المجاملة على حساب الواجب هو إضاعة للأمانة. وأن بقاء الإدارة عاجزة عن القيام بمهامها هو تفريط في حق عام. وأن تحويل المسجد إلى ساحة للفوضى تحت أي مبرر هو إخلال بالمقصد الشرعي من عمارة المساجد.
نحن لا نستهدف أشخاصاً، وإنما نستهدف معالجة حالة. فالمسجد ليس ملكاً خاصاً ولا إقطاعية، هو وقف عام لله تعالى، والوقف أمانة تُرعى أصوله، وتُحفظ مصالحه، ويُصان شأنه، ويُقام فيه أمر الله.
وعليه، واستناداً إلى مسؤوليتنا الشرعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلى مسؤوليتنا المجتمعية في صيانة المرافق العامة، نضع هذا الأمر أمام الجهات المختصة:
معالي وزير الدولة محافظ محافظة عدن
ومعالي وزير الأوقاف والإرشاد
ومدير عام مديرية المنصورة
ومدير عام مكتب الأوقاف بمحافظة عدن
ونطالب بتدخل عاجل لا يحتمل التأجيل يتمثل في: تشكيل لجنة مختصة شرعية وإدارية وفنية لتقييم وضع المسجد وتحديد أوجه القصور ومعالجتها. وإعادة الاعتبار الكامل لبيت الله من خلال النظافة والصيانة والضبط والنظام. والتكليف بإدارة المسجد لمن تتوفر فيهم شروط الكفاءة والأمانة والقدرة على خدمة المصلين ورعاية حرمة المكان.
إن التهاون اليوم سيكون سبباً في استفحال المشكلة غداً. وإن السكوت عن تدهور حال المسجد هو إضعاف لدور بيوت الله في المجتمع. فإما أن نعمر بيوت الله بعمارتها فيعمرنا الله، وإما أن نضيعها فنضيع جميعاً.
والله من وراء القصد، وهو نعم المولى ونعم النصير.
أحمد المريسي
كاتب وباحث بالشأن العام
عدن - 13 يوليو 2026م