حين يُستهدف صوت الحقيقة

قبل ساعة


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

في ظل الظروف المعقدة التي تعيشها البلاد، حيث تتراجع مؤسسات الدولة ويضعف حضور النظام والقانون، يصبح الحديث عن حرية الكلمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالكلمة في مثل هذه السياقات لا تُعد ترفًا، بل تتحول إلى أداة مساءلة وكشف للحقائق، مهما كانت كلفتها.

لقد تلقّينا في أكثر من مناسبة نصائح ومطالبات من محبين ومهتمين بضرورة التخفيف من حدة النشر، انطلاقًا من حرصهم على السلامة الشخصية، خاصة في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار. هذه النصائح محل تقدير واحترام، لكنها لا تلغي قناعة راسخة لدينا بأن واجب الصحافة الحقيقي هو قول الحقيقة، والانحياز للمظلوم، ومواجهة الفساد أينما وُجد.

وقد واجهنا خلال السنوات الماضية سلسلة من التحديات المرتبطة بهذا النهج؛ من ضغوط وتهديدات، إلى ملاحقات قانونية، وصولًا إلى وقائع اعتقال واستدعاءات متكررة. وهي أحداث تعكس حجم الحساسية تجاه ما يُنشر من معلومات وملفات تتعلق بالشأن العام.

وبعد سنوات من العمل في هذا المجال، وصلنا إلى قناعة بأن منظومات الفساد حين تتجذر، تصبح مواجهتها أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تتحول إلى شبكات نفوذ متداخلة. ومع ذلك، فإن التراجع عن دور الصحافة في هذه اللحظة لا يبدو خيارًا قابلًا للاستمرار، حتى وإن تم تعليق بعض أشكال النشر لفترة، انتظارًا لتغيرات سياسية أو إدارية قد تفتح المجال لبيئة أكثر توازنًا.

إن استدعاء الأصوات الصحفية إلى المساءلة أو الضغط عليها لا ينبغي أن يُنظر إليه كمسار طبيعي في إدارة الخلاف، بل كمؤشر على الحاجة إلى ترسيخ بيئة قانونية تضمن حق التعبير، وتحمي العمل الصحفي من التوظيف السياسي أو الانتقامي.

وفي هذا السياق، تظل القضايا الإقليمية الكبرى، بما فيها الاتفاقات السياسية والتطورات العسكرية، مجالًا مشروعًا للنقاش العام والتحليل الصحفي، شرط أن يتم ذلك في إطار من المسؤولية والمهنية، وبما يتيح للرأي العام فهم الصورة الكاملة دون تضييق أو استهداف.

إن جوهر القضية ليس في اختلاف المواقف أو تعدد القراءات، بل في ضمان مساحة آمنة للكلمة، تسمح بالنقد والتعبير دون خوف، وتضع الجميع أمام مسؤولية احترام حق المجتمع في المعرفة.

وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو بناء دولة قانون ومؤسسات، تُدار فيها الخلافات عبر القضاء والإجراءات العادلة، لا عبر إسكات الأصوات أو تقييدها.


الصحفي صالح حقروص

2026/7/13م