لا تكمن الحقيقة الصادمة في أن فرع تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن (المسمى بالتجمع اليمني للإصلاح) أصبح مكونا مؤثراً داخل الحكومة الشرعية؛ فهذا أمر معروف منذ سنوات. الحقيقة الأخطر هي أن التنظيم يعمل، بصمت وبأساليب انغماسية متعددة، على الانتقال من موقع الشريك السياسي إلى موقع القوة المسيطرة فعلياً على مفاصل السلطة العسكرية والأمنية والمدنية في معظم المناطق المحررة.
لا يجري هذا الاستحواذ بانقلاب معلن، ولا برفع رايات حزبية فوق المعسكرات والمؤسسات. بل ينفذ من داخل الدولة، وتحت أسمائها وشعاراتها وشرعيتها القانونية. وقد تكون المؤسسة حكومية في ظاهرها، بينما تكون قيادتها ومفاصلها الحساسة وشبكات مصالحها وقرارها الفعلي خاضعة لعناصر مرتبطة بالتنظيم أو متحالفة معه.
إنه نمط من السيطرة لا يُكتشف بسهولة؛ لأن التنظيم لا يحتكر الواجهة دائماً، وقد يتركها لشخصيات وقوى أخرى مثل طارق صالح في ساحل تهامة غرب اليمن، فيما يحتفظ لنفسه بمفاصل القرار والمعلومات والتعيينات والتجنيد والتمويل والتأثير الإعلامي.
من المشاركة السياسية إلى الاستحواذ المؤسسي
من الخطأ النظر إلى الإصلاح باعتباره حزباً سياسياً تقليدياً يقاس نفوذه بعدد الوزراء أو المقاعد أو المسؤولين الذين يعلنون انتماءهم إليه. فالتنظيم يعمل عبر شبكة أوسع من عضويته الحزبية الظاهرة، وتشمل:
- قيادات عسكرية وأمنية لا تعلن ارتباطها التنظيمي، من نموذج "مش إخوان لكن احترمهم" أو نموذج المتحولين سياسياً.
- ضباطاً جرى تصعيدهم عبر شبكات الولاء والحماية.
- مسؤولين مدنيين وإداريين وإعلاميين يعملون داخل مؤسسات الدولة.
- شخصيات قبلية ودينية وتجارية تتحرك ضمن المصالح نفسها.
- عناصر تنتقل بين المؤسسات الرسمية والتشكيلات العسكرية والمنظمات والواجهات الاجتماعية.
- منصات إعلامية وناشطين يتولون حماية الشبكة وتشويه خصومها.
وتتمثل خطورة هذا النموذج في أن إثباته لا يكون بالبحث عن بطاقة عضوية حزبية، وإنما بتتبع الجهة التي تعين المسؤول، وتحميه، وتموله، وتدافع عنه، وتوجهه، وتمنع محاسبته.
قد لا يكون قائد اللواء إخوانياً معلناً، لكن رئيس عملياته أو استخباراته أو شؤونه المالية أو ضباط التجنيد والقوى البشرية فيه قد يكونون جزءاً من الشبكة. وقد لا يكون المحافظ عضواً رسمياً، لكن مفاصل سلطته المحلية وأجهزته الأمنية والإعلامية قد تكون خاضعة لها.
وهكذا يحتفظ التنظيم بالقرار الحقيقي، بينما يترك للآخرين الصور والمناصب الشكلية والاستعراضات العامة.
الجذور: عهد هادي وعلي محسن
لم يبدأ هذا التغلغل اليوم. فقد توسع بصورة كبيرة خلال عهد الرئيس عبد ربه منصور هادي، خصوصاً مع صعود علي محسن الأحمر إلى منصب نائب الرئيس وإمساكه بجانب واسع من الملف العسكري.
في تلك المرحلة أُعيد بناء أجزاء كبيرة من الجيش والمؤسسات الحكومية في مناطق الشرعية على أساس الولاءات الشخصية والحزبية والقبلية، لا على أساس مؤسسي وطني. واستفادت شبكة الإصلاح وعلي محسن من الحرب ومن الحاجة إلى حشد قوات لمواجهة الحوثيين، لتثبيت عناصرها داخل المحاور والمناطق العسكرية والأجهزة الأمنية والسلطات المحلية.
وعندما أُبعد هادي وعلي محسن عن السلطة في أبريل/نيسان 2022، لم تُفكك المنظومة التي تشكلت في عهدهما. بقي القادة والضباط والمسؤولون والموظفون وكشوفات التجنيد وشبكات التمويل والحماية في مواقعهم. وبذلك غادر رأس الشبكة الرسمي، لكن بنيتها العميقة بقيت تعمل داخل مؤسسات الشرعية.
خريطة التمدد الصامت
تشير المعطيات الميدانية إلى أن التنظيم أحكم نفوذه أو حقق تقدماً كبيراً في عدد من أهم مناطق الحكومة، مستخدماً تكتيكات مختلفة بحسب طبيعة كل منطقة.
شمال تهامة
في المناطق المحررة أو الواقعة ضمن انتشار القوات الحكومية في حرض وميدي وحيران وعبس، يسيطر التنظيم سيطرة مطلقة من خلال الوحدات العسكرية والأمنية الرسمية وشبكات التجنيد والقيادات المحلية. بل ويمارس كل أشكال المضايقات والتنكيل بأبناء تهامة هناك ممن يرفض سيطرة التنظيم وتسلطه على المنطقة.
وتظهر السيطرة هناك في صورة إدارة حزبية معلنة، وفي التحكم بالقوات المنتشرة، والتعيينات، والمعلومات، والموارد، والعلاقة بالمجتمع المحلي والقبائل.
مأرب والجوف
تمثل مأرب المركز الأهم لشبكة الإصلاح العسكرية والسياسية والإدارية. ومنها استطاع التنظيم بناء نموذج سلطة يجمع بين الجيش والأمن والقبيلة والإدارة المحلية والإعلام والتعبئة الدينية.
وتنبع خطورة مأرب من أنها ليست مجرد محافظة نفطية أو جبهة عسكرية، بل مركز محتمل لإدارة أي عملية عسكرية مستقبلية باتجاه صنعاء والجوف والبيضاء. ومن يسيطر على القوة العسكرية والمؤسسات الموجودة فيها سيكون الطرف الأكثر استعداداً لوراثة المناطق التي قد تنتزع مستقبلاً من مليشيا الحوثي.
أما في المناطق المحررة من الجوف، فيتحرك التنظيم من خلال القوات الحكومية والقيادات العسكرية والقبلية المرتبطة بالمحور نفسه.
تعز
تشكل تعز نموذجاً متقدماً للاستحواذ من داخل مؤسسات الدولة. فالتنظيم لا يحتاج إلى إعلان المدينة إمارة حزبية؛ يكفيه الإمساك بمحور تعز وعدد من الألوية والأجهزة الأمنية ومفاصل السلطة المحلية.
ومن خلال ذلك يستطيع التأثير في القرار العسكري والأمني، وإدارة العلاقة مع القوى المدنية، واحتواء المعارضين أو محاصرتهم، واستخدام الإعلام والناشطين لتشويه كل من يحاول كشف طبيعة المنظومة.
وتكشف تجربة تعز كيف يمكن تحويل مؤسسات يفترض أنها وطنية إلى أدوات نفوذ حزبي، مع الاحتفاظ بالغطاء الرسمي والحديث المستمر باسم الدولة والشرعية.
الساحل التهامي غرب لليمن
الأكثر خطورة هو التغلغل في المناطق المحررة جنوب تهامة، الممتدة من باب المندب إلى الخوخة. فالتنظيم لا يتعامل مع تشكيلات الساحل التهامي باعتبارها خصماً ينبغي إسقاطه دفعة واحدة، وإنما باعتبارها بيئة قابلة للاختراق التدريجي.
يحدث الاختراق عبر المستويات الوسطى والدنيا: ضباط، ومسؤولين إداريين، وإعلاميين، وناشطين، وشخصيات اجتماعية ومدنية، وعناصر تعمل في الاستخبارات والإمداد والاتصال.
وبهذه الطريقة قد تبقى قيادة طارق صالح في الواجهة لأخذ الصور والبروتوكولات، وتحافظ على المظاهر والاستعراضات والخطاب الخاص بها، بينما يتوسع نفوذ التنظيم داخل مكوناتها العسكرية والمدنية والإعلامية. ويشمل ذلك، وفق المعلومات المتداولة، اختراق المؤسسات الإعلامية المحيطة بما يسمى المقاومة الوطنية، بما فيها قناة الجمهورية.
ولا تتمثل المسألة في انتقال معلن لقيادة الساحل إلى الإصلاح، بل في بناء قدرة داخلية على التأثير في قراراته، واختراق معلوماته، وإضعاف المناعة السياسية والتنظيمية لمكوناته.
ونجاح هذا المسار يعني أن الجزء المحرر من ساحل البحر الأحمر قد يصبح خاضعاً عملياً لتنظيم الإخوان الذي لا تحمل اسمه علناً، بينما تظل الواجهات الموجودة مجرد غطاء سياسي وعسكري.
في جبهات أخرى، يجري العمل بالطريقة نفسها: إدخال عناصر وشبكات ولاء ضمن التشكيلات الرسمية، والاستفادة من الحاجة العسكرية لمواجهة الحوثيين لتثبيت وجود يصعب تفكيكه لاحقاً.
حضرموت والمهرة
تمثل حضرموت الهدف الاستراتيجي الأكبر في المرحلة الراهنة، بسبب مساحتها وثرواتها النفطية وموانئها وموقعها بين السعودية وعُمان وبحر العرب.
لا يحتاج التنظيم إلى اجتياح حضرموت عسكرياً. يكفيه أن يسيطر على التعيينات والأجهزة الأمنية والقوات التي سيعاد تنظيمها، وأن يدفع بعناصره وحلفائه إلى المؤسسات المدنية والعسكرية، وأن يستثمر الانقسامات بين المكونات الحضرمية.
وفي المهرة، يستفيد من التنافس الإقليمي وضعف المؤسسات وتعدد الولاءات لإعادة تنظيم شبكاته والتمدد داخل المؤسسات المحلية بهدوء.
الجنوب
بعد ما تعرضت له قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من إضعاف وإعادة ترتيب، وجد الإصلاح فرصة نادرة للتقدم داخل الجنوب.
يعمل التنظيم على استغلال الفراغ الناتج عن تفكيك بعض التشكيلات أو إعادة دمجها، والدخول في عمليات الترقيم والتجنيد والتعيين وإعادة الهيكلة. وبدلاً من إرسال قوات تحمل اسمه، يستطيع زرع عناصره داخل القوات الجديدة التي ستنشأ تحت مسميات حكومية أو محلية.
الخطر ليس ظهور جيش إصلاحي معلن في عدن أو شبوة أو أبين؛ بل أن تستيقظ القوى الجنوبية لاحقاً لتكتشف أن الأجهزة والوحدات التي أعيد تشكيلها أصبحت مخترقة من الداخل، وأن مفاصل القرار والرواتب والمعلومات والترقيات قد انتقلت تدريجياً إلى شبكة التنظيم.
تكتيكات السيطرة الانغماسية
يمكن تلخيص تكتيكات الاستحواذ في عدة مسارات مترابطة:
التمويه المؤسسي
تعمل العناصر داخل مؤسسات الجيش والشرطة والسلطات المحلية باعتبارها موظفين رسميين، لا ممثلين لحزب سياسي. وبذلك يصبح الاعتراض على تمددها قابلاً للتصوير باعتباره اعتراضاً على الدولة نفسها.
توزيع العناصر وعدم كشف مركز القيادة
لا يضع التنظيم جميع عناصره في مؤسسة واحدة، بل يوزعهم بين الجيش والأمن والإدارة والإعلام والتعليم والقبائل والمنظمات، بحيث لا تظهر الصورة الكاملة عند النظر إلى كل قطاع بصورة منفصلة.
السيطرة على المستويات الوسطى
قد يترك التنظيم المنصب الأعلى لشخصية مستقلة أو محسوبة على مكون آخر، بينما يسيطر على مديري المكاتب وضباط العمليات والاستخبارات والموارد البشرية والمالية. وهذه المواقع هي التي تدير المؤسسة فعلياً.
استغلال المعركة ضد الحوثيين
يقدم التنظيم نفسه باعتباره القوة الوحيدة المنظمة والقادرة على مواجهة الحوثي، ويستخدم هذا الادعاء لمنع أي مراجعة لنفوذه أو محاسبة لقياداته.
وكل محاولة لتفكيك شبكاته تُصور باعتبارها إضعافاً للجبهة المناهضة للحوثيين، رغم أن التجربة أظهرت انتشار الفساد والكشوفات الوهمية وتوظيف المعسكرات والموارد العامة لبناء النفوذ الحزبي.
احتواء الخصوم أو تدميرهم
لا يواجه التنظيم جميع معارضيه بالقوة المباشرة. يستخدم التهم والتسريبات وحملات التشهير والتحريض الديني والاجتماعي والابتزاز الإداري والمالي، وقد يستفيد من الأجهزة الأمنية والقضائية لإقصائهم أو إنهاكهم.
والهدف هو قتل الخصم معنوياً وسياسياً قبل التفكير في استهدافه مادياً، وتحويل كل صوت يحذر من التمدد إلى شخص معزول أو متهم بخدمة الحوثيين أو الإمارات أو الانفصال أو حتى "الصهيونية والموساد" .
التعبئة الفكرية
يعمل التنظيم عبر التعليم والمساجد والمراكز الدعوية والمعسكرات والمنصات الإعلامية على تشكيل وعي أجيال من الشباب وفق رؤيته الأيديولوجية.
ولا تقتصر الخطورة على النشاط الدعوي، بل في ربط الانتماء الديني بالطاعة التنظيمية، وتحويل الشباب إلى كتلة تعبئة تستخدم في الصراعات السياسية والعسكرية، مع إضعاف التفكير النقدي والولاء للدولة الوطنية.
القاعدة والمناطق الخاضعة لنفوذ الإصلاح
تثير عمليات استهداف قيادات وعناصر من تنظيم القاعدة أكثر من مرة داخل مناطق خاضعة لنفوذ عسكري وأمني إصلاحي أسئلة بالغة الخطورة.
لا يثبت وجود عناصر القاعدة في منطقة معينة، بمفرده، وجود تحالف تنظيمي مباشر مع الحزب. لكنه يصبح مؤشراً أمنياً لا يمكن تجاهله عندما يتكرر وجود عناصر وقيادات مستهدفة دولياً في المناطق نفسها، وحين تتمكن من الحركة أو الإقامة أو الاختباء وسط انتشار عسكري وأمني واسع.
السؤال هنا ليس فقط: هل يرتبط الإصلاح تنظيمياً بالقاعدة؟
السؤال الأهم هو: كيف تمكنت عناصر متطرفة من التحرك أو الاختباء داخل مناطق تسيطر عليها أجهزة يفترض أنها قوية ومتماسكة؟ وهل كان ذلك نتيجة عجز أمني، أم اختراق، أم حماية قبلية، أم فساد، أم تغاضٍ مقصود من بعض العناصر؟
إن التكرار يستدعي فتح ملف مستقل لشبكات الإيواء والحماية والتمويل والوساطة، وللعلاقات التاريخية بين بعض التيارات المتشددة وشخصيات أو مؤسسات نشأت في البيئة السياسية والعسكرية ذاتها.
ولا يجوز أن تتحول صفة «الحزب السياسي» إلى حصانة تمنع فحص العناصر المتطرفة التي قد تعمل داخله أو حوله أو تحت مظلة المؤسسات التي يسيطر عليها.
الخطر على البحر الأحمر
إن استكمال السيطرة الصامتة على ساحل البحر الأحمر وباب المندب لا يمثل شأناً يمنياً داخلياً. فالمنطقة تمس بصورة مباشرة أمن الملاحة الدولية والدول المشاطئة للبحر الأحمر والقرن الأفريقي والخليج العربي.
وقد تستيقظ هذه الدول متأخرة على واقع جديد: الحوثيون المتطرفون يسيطرون على جانب من الساحل ومناطق واسعة في الشمال، بينما أصبحت المناطق المقابلة الخاضعة للشرعية واقعة تحت نفوذ تنظيم متطرف آخر عابر للحدود يعمل من داخل مؤسسات الدولة.
عندها لن يكون التحدي متعلقاً فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، بل أيضاً بهوية القوى التي تتحكم بالموانئ والمعسكرات والمعلومات والحدود البحرية في الجانب الآخر.
من سيرث المناطق إذا بدأت المعركة؟
تكمن اللحظة الأخطر في احتمال إطلاق معركة واسعة ضد مليشيا الحوثي.
فعندما تتحرك قوات الشرعية لاستعادة مناطق جديدة، لن يكون الطرف الذي يظهر في مقدمة المشهد بالضرورة هو الطرف الذي سيرث السلطة. الذي سيرثها هو من يمتلك مسبقاً:
- القيادات العسكرية الجاهزة.
- كشوفات الجنود.
- أجهزة الاستخبارات والأمن.
- المحافظين والوكلاء ومديري المديريات المحتملين.
- شبكات المساجد والتعليم والإغاثة.
- الإعلام القادر على صناعة الشرعية السياسية.
- القدرة على دمج العناصر الجديدة واستيعابها.
والإصلاح يعمل منذ سنوات على بناء هذه البنية.
لذلك قد تؤدي أي معركة ناجحة ضد مليشيا الحوثي إلى توسع غير مسبوق لنفوذه. فبعد دخول القوات إلى صنعاء أو الحديدة أو إب أو غيرها، سيكون التنظيم الأكثر استعداداً لملء الفراغ تحت اسم الحكومة الشرعية.
وبذلك يصبح الوريث الحقيقي للحرب، حتى إن لم يكن صاحب العدد الأكبر من المقاتلين في الخطوط الأمامية.
البعدان التركي والإيراني
يمتلك التنظيم وشخصيات مرتبطة به علاقات وشبكات قديمة خارج اليمن، كما أصبحت تركيا خلال السنوات الأخيرة مركزاً سياسياً وإعلامياً ومالياً مهماً لعدد من قيادات وشخصيات تيار الإخوان اليمني.
وتمنح هذه البيئة التنظيم مساحة للحركة وإدارة المنصات الإعلامية والعلاقات العابرة للحدود، بعيداً عن الرقابة اليمنية.
أما الاتصالات مع إيران، فإن خطورتها لا تقاس بوجود تحالف عقائدي معلن. التنظيمات العقائدية قد تتخاصم علناً، لكنها تفتح قنوات تكتيكية عندما تتقاطع المصالح. ولهذا يجب التحقيق في أي اتصالات قديمة أو حديثة، والوسطاء والاجتماعات والروابط المالية والسياسية، بدلاً من افتراض استحالة التواصل بسبب الخلاف المذهبي.
الخطر المحتمل هو أن يحتفظ التنظيم بعلاقاته مع تركيا وشبكاته الإقليمية، وفي الوقت نفسه يفتح قنوات تكتيكية مع إيران أو حلفائها، بما يمكنه من المناورة بين المحاور والمحافظة على نفوذه تحت مختلف السيناريوهات.
ملف التصنيف الأمريكي
أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أمراً تنفيذياً أطلق عملية لدراسة تصنيف فروع أو تقسيمات معينة من جماعة الإخوان المسلمين منظمات إرهابية أجنبية أو كيانات إرهابية عالمية. وذكر الأمر فروع لبنان والأردن ومصر بصورة صريحة، لكنه استخدم صياغة أوسع تسمح بالنظر في فروع أو تقسيمات أخرى. لثاني 2026 اتخذت الإدارة الأمريكية إجراءات تصنيف ضد فروع من الجماعة في لبنان ومصر والأردن، وهو ما أظهر أن المسار لم يعد مجرد نقاش سياسي عام، بل تحول إلى سياسة تنفيذية تستهدف فروعاً محددة بناء على أنشطتها وعلاقاتها. بأن واشنطن تراجع ملف حزب الإصلاح والكيانات المرتبطة به، وأن ضغوطاً تبذل لدفع الإدارة الأمريكية إلى إدراجه ضمن مسار التصنيف. وتحدثت بعض التقارير عن استفسارات تطال شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والخيرية والاجتماعية المحسوبة عليه. لكن المصادر نفسها أقرت بعدم صدور إعلان رسمي أمريكي يؤكد أن عملية تصنيف قانونية مكتملة قد بدأت باسم الإصلاح اليمني. ومراجعات معلن عنها إعلامياً داخل واشنطن لدراسة ملف الإصلاح، في سياق أمريكي رسمي أوسع لتصنيف فروع من جماعة الإخوان المسلمين؛ لكن حزب الإصلاح لم يُصنّف أمريكياً حتى الآن، ولم تعلن وزارة الخارجية أو الخزانة رسمياً إدراجه في إجراءات تصنيف نهائية.
إن مجرد فتح هذا الملف، بتأكد رسمياً، سيكشف تناقضاً خطيراً: حزب قد يكون محل مراجعة للاشتباه في صلاته بشبكات متطرفة، بينما تتيح له الظروف اليمنية التوسع داخل الجيش والأمن والمؤسسات التي تحظى بالدعم الإقليمي والدولي.
الحقيقة التي قد يكتشفها الجميع متأخرين
قد يستمر الإقليم والمجتمع الدولي في التعامل مع الإصلاح باعتباره مجرد مكون سياسي داخل الشرعية، أو قوة اضطرارية يمكن استخدامها في مواجهة الحوثيين.
لكن هذا التصور يتجاهل طبيعة العمل التراكمي للتنظيم.
فهو لا ينتظر منحه السلطة كاملة في اتفاق سياسي، بل يبنيها يومياً داخل المعسكرات وأجهزة الأمن والسلطات المحلية والمؤسسات الإعلامية والتعليمية. وكل أزمة أو فراغ أو إعادة هيكلة تمنحه فرصة جديدة لإدخال عناصره وتوسيع شبكته.
وعندما تتضح الصورة كاملة، قد لا يعود من السهل تفكيكها؛ لأن التنظيم لن يكون موجوداً خارج الدولة حتى تجري مواجهته، بل سيكون قد أصبح جزءاً من بنيتها ومن الأدوات التي يفترض استخدامها لمواجهته...