كان لأبرهة الحبشي في التاريخ فيلٌ، وكان هدفه مكة وهدم الكعبة. أما أبرهة الجديد، فلم يحتج إلى فيل؛ لديه مسيّرة!
يا للهول! أبرهة الأول جاء بالفيل، وأبرهة الفارسي جاء بالمسيّرة. لكن الفارق أن أبرهة الحبشي كان أكثر وضوحًا؛ جاء معلنًا هدفه، ولم يحتج إلى شعارات عن «الموت لأمريكا وإسرائيل»، ولا إلى خطب عن القدس والأقصى والمقدسات والمقاومة. أما أبرهة الفارسي الجديد، فقصة شعاراته أكثر غرابة: الموت لأمريكا في الشعار، والسلامة لأمريكا في التفاهمات!
فمنذ السادس من مايو 2025، حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاهمًا مع الحوثيين بوساطة عُمانية يقضي بألا يستهدف أيٌّ منهما الآخر في البحر، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر وباب المندب، ظل هذا التفاهم قائمًا ومتماسكًا، حتى جاء لقاء مسقط الأخير ليجدده ويعززه. فالموت لأمريكا في الشعار… وأمن سفنها في التفاهمات!
أما السعودية، فلها حسابٌ آخر! وهنا تسقط واحدةٌ من أكبر الروايات التي جرى تسويقها طوال السنوات الماضية: وهي أن ضرب السعودية إنما هو لكونها حليفةً لأمريكا. فإذا كان التحالف مع أمريكا هو المشكلة، فلماذا تُعقد الاتفاقات والتفاهمات معها؟ ولماذا تصبح السفن الأمريكية والإسرائيلية في مأمن، بينما تبقى السفن السعودية ومنشآتها وأعيانها المدنية، وصولًا إلى المقدسات، مستثناةً من هذا الأمان؟ التفاهم نفسه يفضح الرواية: العداءُ يُدار بانتقائية، لا بمبدأ.
ثم تأتي مكة! مكة التي ليست ميناءً، ولا منشأةً نفطية، ولا هدفًا في لعبة النفوذ؛ مكة قبلة المسلمين وبيت الله الحرام.
ففي السادس عشر من سبتمبر 2026، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية أن دفاعاته الجوية اعترضت ودمّرت مسيّرةً حوثية جنوب مكة قبل أن تدخل المجال الجوي المحظور فوق المدينة المقدسة، في حادثةٍ وصفها المتحدث باسم التحالف تركي المالكي بأنها المحاولة الحوثية الثانية لاستهداف مكة، بعد إطلاق صاروخٍ باليستي في يوليو 2017. الحادثة أثارت إدانةً إقليميةً ودوليةً واسعة، واعتُبرت الأولى من نوعها التي استوجبت تحذيراتٍ أمنيةً في مكة نفسها منذ ذلك التاريخ. الحوثيون، من جهتهم، نفوا استهداف مكة، كما هو ديدنُهم دائمًا.
فلا حاجة إلى كثير من الفلسفة في تفسير النيات: المسيّرة التي تُرسل نحو مكة تُطلق باتجاه مكة، سواء وصلت أم اعترضت قبل الوصول، وسواء صحّ النفي الحوثي أو لم يصح. فمجرد أن يصبح الاقتراب من هذا المجال الجوي المحظور واردًا في المعركة، ومجرد أن تحتاج مكة نفسها إلى تحذير أمني لأول مرة منذ سنوات، فهذا وحده يكفي ليكشف عن منطق لا يعترف بحرمة، ولا يفرّق بين هدف عسكري وهدف مقدّس.
وهنا ينبغي أن يقال ما يجب أن يقال: إن كان للمشروع الإيراني ولأدواته في المنطقة قدسٌ سياسي وعقائدي يجعل قم والنجف خطوطًا حمراء لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، فكيف تصبح مكة، قبلة المسلمين عامة وبيت الله الحرام، مجالًا للتجربة والاستهداف؟ أليس في هذا التفاوت ما يكشف اختلالًا فادحًا في الأولويات، وفضحًا صريحًا للنيات، بل وتناقضًا صارخًا في معنى المقدسات نفسها؟
والسؤال الأكبر: كيف وصلت جماعة مسلحة اختطفت الدولة اليمنية إلى هذه القدرة؟ كيف أصبح في إمكانها تهديد البحر الأحمر والطاقة ودول الخليج، ثم الاقتراب من أقدس مقدسات المسلمين؟ وكيف وصل إليها كل هذا السلاح رغم القرارات الدولية والعقوبات وآليات الرقابة المفترضة؟ ومن الذي أبقاها كل هذه السنوات؟ ومن الذي تعامل معها باعتبارها ورقة للابتزاز والتهديد أو ورقة قابلة للاحتواء، حتى تحولت الورقة إلى مشروع قائم بذاته؟
الحقيقة أن الخطر لم يعد في الحوثي وحده، بل في تحويل اليمن إلى منصة لمشروع إقليمي، وإبقاء الدولة اليمنية ضعيفة ومنقسمة القرار. ولذلك فالقضية ليست مجرد مسيّرة، ولا مجرد سفينة، ولا حادثة أخرى تضاف إلى سجل طويل من التصعيد والاعتداءات. القضية أكبر: هل يبقى اليمن دولة، أم يتحول إلى منصة؟
آن للأمم المتحدة ودولها أن تُستنهض، لا أن تكتفي بالبيانات. وآن للقيادة السعودية والشرعية اليمنية أن تلتقيا على قرار واضح يحمي اليمن والمنطقة: تحييد منصات إطلاق المسيّرات والصواريخ، واستعادة السيطرة على مناطق الإطلاق، ومحاسبة المسؤولين عن استهداف المدنيين والمقدسات.
آن لليمن أن يستعيد دولته وقراره وسلاحه وسيادته. فلا يمكن أن تكون هناك جماعة مسلحة فوق الدولة، ولا قراران داخل بلد واحد، ولا بحر أحمر بمكيالين، ولا تفاهمات تحمي سفنًا وتترك أخرى للتهديد.
أبرهة الحبشي جاء بفيل، وأبرهة الفارسي جاء بعده بمسيّرة. لكن الخطر الحقيقي ليس في الفيل ولا في المسيّرة؛ الخطر أن تظل الأمة تتفرج حتى يصبح اليمن كله منصة لأبرهة جديد. فمكة المكرمة ليست هدفًا، واليمن ليس غنيمة، والبحر الأحمر ليس ملكًا لجماعة.
آن للأمة أن تستيقظ، وأن تدعم اليمن في استعادة دولته، وأن تنهي هذه الحالة الشاذة قبل أن يصبح استثناء اليوم قاعدة الغد.
وجمعة مباركة مقدمًا..