قد تتخرج من الجامعة بشهادة، وتخرج منها كما دخلت: تحمل ورقة أكثر، لكنك لا تملك عقلا أكثر حرية.هذه ليست مبالغة. إنها واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في التعليم الحديث: أن تتحول الجامعة من مؤسسة لصناعة العقل إلى مؤسسة لإنتاج الشهادات. لقد اختزلنا التعليم في ورقة، والجامعة في مبنى، والأستاذ في محاضر، والطالب في رقم جامعي، والنجاح في معدل. ثم نسأل بدهشة: لماذا لدينا أجيال تحمل الشهادات ولا تملك الوعي المشكلة تبدأ من السؤال نفسه.حين تصبح الشهادة هي الغاية، يصبح الطالب أكثر اهتماما بكيفية الحصول عليها من اهتمامه بما يمكن أن تفعله المعرفة بعقله.يدخل الطالب الجامعة في سن صغيرة، يمر عبر المقررات والمحاضرات والامتحانات، ثم يخرج بشهادة رسمية. لكن ماذا حدث لعقله خلال هذه السنوات؟
هل تعلم أن يسأل؟ هل تعلم أن يشكك؟ هل تعلم أن يبحث؟ هل تعلم أن يختلف دون خوف؟ هل تعلم أن يميز بين الحقيقة والدعاية؟ هل تعلم كيف يفهم المجتمع الذي يعيش فيه، ولماذا تفشل الدولة، وكيف تتحول السلطة إلى فساد، ولماذا توجد الثروة والفقر في المكان نفسه؟ هذه ليست أسئلة هامشية.هذه هي الأسئلة التي تجعل من التعليم فعلا إنسانيا، لا مجرد عملية إدارية لإنتاج خريجين.حين يصبح الأستاذ ناقلا للمعلومة المشكلة لا تتعلق بالطالب وحده.فالأستاذ الذي يدخل القاعة، يقرأ ما في الكتاب، ثم يطلب من الطلاب إعادة ما قاله في الامتحان، قد ينجح في تدريس المقرر، لكنه لا ينجح بالضرورة في صناعة عقل مستقل.عندما يصبح الأستاذ موزعا للمعلومات بدلا من أن يكون محفزا على التفكير، تتحول القاعة الدراسية إلى مساحة للحفظ.والطالب الذي يخاف من مخالفة رأي أستاذه يتعلم درسا أخطر من أي مقرر: أن السلطة لا تناقش.وهكذا يمكن لمجتمع كامل أن يتعلم الطاعة داخل الجامعة قبل أن يتعلم التفكير.
وعندما يتخرج الطالب، قد يحمل هذه العلاقة معه إلى الوظيفة والسياسة والأسرة والمجتمع يسألوماذا يريد المدير؟ بدلا من: ما الصحيح؟ ماذا يريد المسؤول؟ بدلا من: ماذا يقول القانون؟ ماذا يقول الجميع؟ بدلا من: ماذا يقول الدليل؟ تصبح الجامعة مرحلة مبكرة من التدريب على الامتثال.منهج قديم لعالم جديد ثم تأتي المناهج.ليس كل منهج سيئا، لكن المنهج الذي لا يتغير مع المجتمع يتحول مع الوقت إلى أرشيف العالم يتغير بسرعة. التكنولوجيا تتغير، الاقتصاد يتغير، سوق العمل يتغير، وسائل الإعلام تتغير، وأنماط السلطة والتواصل الاجتماعي تتغير.ومع ذلك، ما زالت بعض المؤسسات التعليمية تتعامل مع المعرفة وكأنها مجموعة من المعلومات الثابتة التي يكفي حفظها واجتياز الامتحان.المشكلة ليست فقط في قدم الكتاب المشكلة في طريقة إنتاج المعرفة نفسها.فالمنهج الذي لا يعلم الطالب كيف يبحث، ويقارن، ويشكك، ويختبر الفرضيات، ويحلل المصادر، سيظل ضعيفا حتى لو كان مليئا بالمعلومات.نحن لا نحتاج فقط إلى تحديث الكتب نحتاج إلى تحديث العقل الذي يقرأ الكتب. الامتحان: عندما يصبح الحفظ دليلا على الذكاء ثم يأتي الامتحان.يحفظ الطالب عشرات الصفحات، يدخل القاعة، يكتب ما حفظ، يحصل على الدرجة، ثم ينسى جزءا كبيرا مما كتب.
وبعد سنوات نسمي ذلك تحصيلا علميا لكن هل القدرة على تذكر المعلومات تعني القدرة على التفكير؟ هل الطالب الذي حصل على 90 بالمئة أكثر وعيا بالضرورة من الطالب الذي حصل على 70؟وهل المعدل الجامعي يخبرنا فعلا عن قدرة الإنسان على تحليل الواقع، أو حل المشكلات، أو قيادة فريق، أو إدارة الاختلاف، أو إنتاج فكرة مستقلة؟ المعدل قد يقيس جانبا من الأداء الأكاديمي، لكنه لا يقيس الإنسان كله.وحين يتحول التعليم إلى سباق درجات، يصبح الطالب مشغولا بما سيأتي في الامتحان، لا بما سيبقى في عقله بعد الامتحان.الطالب يتكيف مع النظام لكن الطالب ليس ضحية بريئة دائما. إنه يتعلم بسرعة قواعد اللعبة.إذا كان النظام يكافئ الحفظ، فسوف يحفظ إذا كان الغش يمر بلا عقاب، فسوف يغش إذا كان التملق يفتح الأبواب، فسوف يتملق.إذا كانت البحوث لا تقرأ بجدية، فسوف ينسخهاوإذا كانت الشهادة هي الهدف، فسوف يبحث عن أقصر طريق إليها.
النظام لا ينتج دائما طلابا أفضل، بل ينتج طلابا يجيدون التكيف مع قواعده.ولهذا قد نجد شخصا يحمل شهادة في القانون ولا يحترم القانون، وشخصا درس الإدارة ولا يعرف كيف يدير، وشخصا درس الإعلام وينشر الشائعات، وشخصا درس السياسة ولا يحتمل الاختلاف السياسي، وشخصا درس التربية ويهين الطالب.المشكلة ليست دائما في التخصص إنها في الفجوة بين المعرفة والممارسة.نحن نعلم الناس عن الأشياء، لكننا لا نعلمهم دائما كيف يعيشون ما تعلموه.الجامعة لا تعمل خارج الدولة والمجتمع وهنا لا يمكن تحميل الجامعة وحدها كل المسؤولية.فالجامعة ليست جزيرة معزولة عن الدولة والمجتمع.إذا كانت الدولة لا تحتمل النقد، فسوف يصل الخوف إلى المدرج.إذا كان المجتمع يخاف الاختلاف، فسوف يتردد الطالب في التعبير عن رأيه.إذا كانت الوظائف تمنح بالواسطة، فسيتعلم الطالب أن العلاقات أهم من الكفاءة.إذا كانت الشهادة هي الطريق شبه الوحيد إلى الوظيفة، فسيتحول التعليم إلى سباق على الورق.ولا يمكن أن تطلب الدولة من الجامعة أن تنتج مواطنا مستقلا، ثم تعاقبه عندما يستخدم استقلاله الفكري خارج قاعة المحاضرة.ولا يمكن أن تقول للشاب: كن مبدعا، بينما البيئة الاقتصادية تكافئ التقليد وتعاقب المبادرة.
أزمة الجامعة، في جزء منها، انعكاس لأزمة المجتمع نفسه.ليست كل نقطة بداية متساوية هناك جانب آخر لا نحب الحديث عنه كثيرا: التفاوت الاجتماعي.طالب يملك حاسوبا، وإنترنت، ومكتبة، وأسرة تشجعه على القراءة، ومساحة هادئة للدراسة، وربما يتقن أكثر من لغة، ليس في الوضع نفسه مع طالب يعمل بعد المحاضرات، ولا يملك الكتب الأساسية، ويدرس في ظروف اقتصادية قاسية.ثم يأتي النظام ويطلب من الاثنين المنافسة في الامتحان نفسه.وبعد ذلك ننسب النتيجة بالكامل إلى الاجتهاد الفردي.الإرادة مهمة، لكنها لا تلغي الظروف الاجتماعية والاقتصادية.والجامعة التي تتجاهل هذه الفوارق قد تعيد إنتاج عدم المساواة بدلا من أن تساعد على كسرها.لذلك فإن عبارة من يريد النجاح يستطيع" ليست قانونا اجتماعيا.قد ينجح الإنسان رغم العوائق، وهذا يحدث بالفعل، لكن وجود الاستثناء لا يلغي وجود البنية.تضخم الشهادة وتراجع المعرفة ثم نصل إلى الشهادة نفسها. بكالوريوس دبلوم ماجستير. دكتوراه ثم ماذا؟ قد يملك الإنسان عدة شهادات، لكنه لا يقرأ خارج تخصصه.وقد يحمل ألقابا أكاديمية كثيرة، لكنه لا يستطيع كتابة صفحة واحدة بفكرة مستقلة.نحن نخلط بين تراكم المؤهلات وتراكم الوعي.وهما شيئان مختلفان.يمكن أن تزيد الشهادات بينما يتراجع التفكير. يمكن أن تتسع المعرفة المتخصصة بينما يظل الإنسان عاجزا عن فهم المجتمع الذي يعيش فيه.قد يتعلم الإنسان أكثر، دون أن يصبح أكثر وعيا.الجامعة ليست مصنع موظفين المجتمع يحتاج إلى الطبيب والمهندس والمحامي والمدير والمعلم والصحفي.لكن المجتمع لا يحتاج إلى متخصصين يعملون مثل الآلات.يحتاج إلى إنسان يعرف مسؤولية تخصصه.المهندس لا يبني فقط، بل يفهم أثر ما يبنيه على الناس.والطبيب لا يتعامل مع المريض باعتباره رقما. والصحفي لا يحول الحقيقة إلى سلعة.والمسؤول لا يستخدم الإدارة لإدارة الفشل بكفاءة أكبر.لهذا لا تكفي زيادة عدد الجامعات.ولا تكفي زيادة أعداد الخريجين.ولا يكفي رفع نسب الالتحاق بالتعليم العالي.السؤال الحقيقي هو أي نوع من البشر تنتج جامعاتنا؟ هل تنتج إنسانا يسأل أم إنسانا يكرر؟ إنسانا يناقش أم إنسانا يطيع؟ إنسانا يبحث أم إنسانا يحفظ؟ إنسانا يملك موقفا مستقلا أم إنسانا ينتظر التعليمات؟ الجامعة مرآة للمجتمع
الجامعة مرآة للمجتمع.إذا كان المجتمع يريد مواطنا مطيعا، فقد تصبح الشهادة أداة للامتثال.وإذا كان يريد مواطنا واعيا، فعليه أن يقبل الأسئلة التي قد تزعجه.فالوعي ليس زينة أكاديمية.الوعي يعني أن يصبح الإنسان قادرا على مساءلة الأفكار والمؤسسات والعادات التي اعتاد التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.ولهذا فإن المشكلة ليست أن الجامعة فشلت في تعليم الطالب معلومة. المشكلة الأعمق أن بعض أنظمة التعليم قد تعلم الطالب ألا يسأل. والإنسان الذي لا يسأل يمكن أن يحمل عشر شهادات، لكنه يظل عاجزا عن فهم العالم الذي يعيش فيه.نحن لا نعاني فقط من نقص في حاملي الشهادات نعاني من تضخم الشهادة وتراجع قيمة المعرفة. ولهذا يجب أن يتغير السؤال بدلا من أن نسأل كم طالبا تخرجت جامعاتنا؟ علينا أن نسأل: كم عقلا مستقلا أنتجت؟ كم باحثا حقيقيا صنعت كم مشكلة اجتماعية ساهمت في حلها؟ كم طالبا خرج منها قادرا على الاختلاف دون كراهية؟ كم شابا أصبح أكثر قدرة على التفكير النقدي؟ وكم واحدا خرج من الجامعة وهو يدرك أن الشهادة ليست نهاية التعليم، بل بداية مسؤولية جديدة؟ فالجامعة التي تنتج الشهادات قد تملأ سوق العمل بالخريجين، أما الجامعة التي تنتج الإنسان فتساهم في تغيير المجتمع.والفارق بين الاثنين ليس عدد الشهادات المعلقة على الجدران، بل عدد العقول التي أصبحت قادرة على النظر إلى العالم دون أن تستعير عيون الآخرين.
#زكريا_نمر