الموت لأمريكا… خارج السفارة، ولغيرها!

قبل 39 دقيقة


د.علي العسلي
بقلم: د.علي العسلي
ارشيف الكاتب

ردّد الحوثيون طويلًا: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، والنصر للإسلام. شعارٌ ثوري… إلى أن وصل إلى مسقط، حيث تُترك الشعارات عند باب السفارة، ويُفتح دفتر الحسابات.


فبحسب «رويترز» في 16 سبتمبر 2026، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن الحوثيين في مسقط، وأفادت مصادر للوكالة بأن ممثلي الجماعة أكدوا عدم نيتهم استهداف السفن الأمريكية أو الإسرائيلية، مع احتفاظهم بحق استهداف السعودية وسفنها.


يا للمفارقة: أربعة أسطر في الشعار، وسطرٌ واحد في التفاهمات يكفي لإعادة ترتيب الأعداء!


هكذا يحتاج الشعار إلى تصحيح: الموت لأمريكا، إلا في مسقط. الموت لإسرائيل، إلا في سفنها. أما السعودية واليمن، فلا حاجة هنا إلى مفاوضات لتحديد العنوان.


والمفارقة ليست في الشعار وحده، بل في المسافة بين القول والفعل؛ مسافةٌ تفرض سؤالًا بسيطًا: من هو العدو فعلًا؟


تصاعدت الهجمات الحوثية أخيرًا على مواقع سعودية، وأعلنت الرياض اعتراض مسيّرة جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، فيما نفى الحوثيون استهداف مكة. والسؤال هنا لا يحتاج إلى سخرية: ماذا تفعل مسيّرة في محيط البلد الحرام، الذي وصفه القرآن بالأمن: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾؟ ومقدسات المسلمين، سنّةً وشيعةً، ليست ملكًا لفصيل ولا ساحةً لصراع؛ فكيف تقترب منها مسيّرات جماعة ترفع راية «المسيرة القرآنية»؟


هذا النمط — الشعار موجّهٌ غربًا، والنار موجّهةٌ عربيًا — يتقاطع مع علاقة الحوثيين بإيران، وما وثقته تقارير دولية من دعمٍ إيراني سياسي وعسكري للجماعة، وليس مجرد استنتاج عابر. ومع استمرار نفوذ الحوثيين على الساحل الغربي واقتراب القتال من باب المندب، حذّرت الأمم المتحدة من تداعيات التصعيد على أمن المنطقة وحرية الملاحة في هذا الممر الحيوي؛ بما يجعل المسألة أبعد من حدود اليمن وحدها.


أما إسرائيل، فتبقى حاضرةً في الخطاب أكثر من حضورها هدفًا؛ فقد طالت الضربات الإسرائيلية قياداتٍ إيرانية وقياداتٍ في حزب الله، كما استهدفت في صنعاء قياداتٍ حوثية، وأودت غارة في أغسطس 2025 بحياة رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه، وفق ما أوردته «رويترز».


وفي المقابل، وبحسب «رويترز» في 16 سبتمبر 2026، أفادت مصادر بأن ممثلي الحوثيين أكدوا خلال لقاءٍ مع مسؤولين أمريكيين في مسقط أنهم لا ينوون استهداف السفن الأمريكية أو الإسرائيلية، مع استثناء السفن السعودية من هذا التعهد.


وهنا تعود المفارقة إلى الواجهة: إسرائيل التي يحتل استهدافها مساحةً واسعةً في الخطاب، تبدو خارج قائمة الأهداف البحرية المعلنة في هذا التفاهم؛ بينما تبقى السعودية ضمن دائرة الاستهداف، ويبقى اليمن نفسه ساحةً مفتوحةً للصراع.


قد يُقال إن خبر مسيّرةٍ اعترضت جنوب مكة قبل وصولها إليها قد يمنح الحوثيين مكسبًا إعلاميًا، حتى لو نفوا استهداف مكة. لكن حين يكون العنوان مكة، ينتشر الاستنكار كما ينتشر الخبر نفسه؛ فليس كل انتشارٍ انتصارًا، وليس كل ضجيجٍ مكسبًا.


الحل ليس شعارًا مضادًا، بل معالجةٌ للجذر: حماية مكة لا تكون باعتراض المسيّرات بعد إطلاقها فحسب، وإنما بإزالة القدرة على تهديدها من الأساس. وهذا يمر عبر استعادة صنعاء إلى حضن الشرعية والدولة، وإنهاء تعدد مراكز القرار والسلاح خارج مؤسساتها.


أما الاختلاف السياسي، فليس هو المشكلة؛ بل إن التعدد حقٌّ مشروع، ومكانه المؤسسات والدستور والقانون، لا ساحات السلاح ولا مراكز القوة المتنافسة.


من هنا، تبدو الحاجة ماسةً إلى «قمة قرار» سعودية–يمنية، تتجاوز إدارة الأزمة إلى توحيد القرار والجهد والقوات، ولا سيما في ظل تحذيرات الأمم المتحدة من تصاعد القتال والنزوح الواسع خلال الأيام الأخيرة.


المطلوب ليس إدارة تعدد القوى، بل إنهاؤه تحت مظلة الدولة: دولة واحدة، جيش واحد، سلاح واحد، وقرار واحد، وقانون يسري على الجميع.


عندها يصبح البديل واضحًا: لا سلاح فوق الدولة، لا قرار فوق القانون، ولا أرض يمنية منصةً لتهديد أحد.


فمكة تُحمى بإزالة الخطر، واليمن يُحمى باستعادة دولته.


أما الشعارات، فقد تواصل ترديد ما تشاء؛ لكن الواقع له كلمته، والمسيّرات لا تجيد الكذب… والواقع يتذكّر.


جمعة مباركة، ونسأل الله الفرج لليمن وأهله، ورحم الله شهداءه، وحفظ أرضه وشعبه، وسبتمبر مجيد.