المشكلة ليست دائما أن السلطة تريد مواطنا مطيعا المشكلة أن المجتمع نفسه قد يربي الإنسان على الطاعة قبل أن تعرفه السلطة في البيت يتعلم الطفل ألا يسأل كثيرا في المدرسة يتعلم أن الإجابة الصحيحة هي الإجابة التي يريدها المعلم.في الجامعة يتعلم أن النجاح هو الحصول على الدرجة.في الوظيفة يتعلم أن الصمت أكثر أمانا من الاعتراض.وفي المجتمع يتعلم أن صاحب النفوذ لا يناقش، بل يرضى.ثم يأتي بعد ذلك شخص ما ويتساءل: لماذا لا نملك مواطنين أحرارا؟ كيف سنملكهم ونحن أمضينا سنوات طويلة في تدريب الإنسان على عكس ذلك؟ نحن لا نعاني فقط من مشكلة سياسية. نعاني من ثقافة كاملة حول السلطة نحن نريد الحرية عندما تكون السلطة في يد شخص آخر، ونكتشف قيمة الطاعة عندما تصبح السلطة في أيدينا نشتكي من المسؤول الذي لا يسمع الناس، ثم نصبح نحن ذلك المسؤول الصغير الذي لا يسمع من هم تحتنا.نهاجم الواسطة عندما تحرمنا من وظيفة، ثم نبحث عنها عندما نريد توظيف قريب لنا.نتحدث عن العدالة، ثم نطالب بالامتياز عندما يكون المستفيد أحد أفراد عائلتنا.نرفض الاستبداد عندما يقع علينا، لكننا قد نمارس نسخة صغيرة منه داخل الأسرة والمؤسسة والمجتمع.
الاستبداد ليس دائما قصرا رئاسيا.أحيانا يبدأ من علاقة الأب بابنه، ومن علاقة المعلم بالطالب، ومن علاقة المدير بالموظف، ومن علاقة المسؤول بالمواطن.عندما يتعلم الإنسان أن القوة تمنح صاحبها الحق في إسكات الآخرين، فإنه لا يحتاج إلى أن يكون حاكما حتى يمارس السلطة.يكفي أن يصبح مديرا أو معلما أو مسؤولا أو أباً أو حتى صاحب مجموعة اجتماعية.ولهذا فإن بناء دولة حديثة لا يبدأ فقط بتغيير القوانين.يبدأ بتغيير مفهومنا للسلطة هل السلطة حق في السيطرة؟ أم مسؤولية؟ هل المدير يملك الموظف؟ أم يدير مؤسسة؟ هل المسؤول يملك المواطن؟ أم يخدمه؟ هل الأب يملك أبناءه؟ أم يرعاهم ويهيئهم للاستقلال؟هذه الأسئلة تبدو اجتماعية، لكنها في الحقيقة سياسية بامتياز.لأن المواطن الذي يتعلم منذ طفولته أن صاحب السلطة لا يناقش، سيحمل هذه الفكرة معه عندما يكبر.وسيصبح من الطبيعي بالنسبة إليه أن يبحث عن شخص قوي يحميه، لا عن مؤسسة تحمي حقوقه.ويتحول المواطن من صاحب حق إلى طالب خدمة. لا يسأل: ما حقي؟ يسأل: من يستطيع مساعدتي؟ لا يسأل: ماذا يقول القانون؟ يسأل: من أعرف؟ لا يسأل: كيف تعمل المؤسسة يسأل: من المسؤول الذي أستطيع الوصول إليه؟ وهكذا تموت فكرة الدولة بالتدريج.لأن الدولة الحديثة تقوم على العلاقة بين المواطن والمؤسسة، بينما ثقافة الواسطة تقوم على العلاقة بين الشخص والشخص.في الدولة يقول القانون: لك حق في مجتمع الواسطة يقول الشخص: أعرف شخصا يمكنه مساعدتك.والفرق بين الجملتين هو الفرق بين الدولة والشبكة الشخصية.وهنا يدخل التعليم إلى قلب المشكلة نحن كثيرا ما نتحدث عن التعليم باعتباره طريقا للنهضة، لكن أي تعليم نقصد؟ إذا كان التعليم يحفظ الطالب كيف يكرر الإجابة، ولا يعلمه كيف يصنع السؤال، فهو لا يحرر العقل.إذا كان المعلم لا يقبل النقاش، فهو لا يدرس فقط مادة علمية؛ إنه يدرس علاقة بالسلطة.إذا كانت الجامعة تعاقب الطالب لأنه اختلف مع الأستاذ، فهي تعلمه أن المكانة أهم من الحجة.إذا كان الطالب يتخرج وهو يخاف من التعبير عن رأيه، فما الذي تغير في شخصيته؟ ربما تغيرت شهادته.لكن عقله قد يكون بقي في المكان نفسه.
وهذا هو الفرق بين التعليم والتلقين.التلقين يريد منك أن تعرف ما يجب أن تقول التعليم يريد منك أن تعرف لماذا تقول ما تقول التلقين يصنع تابعا.التعليم الحقيقي يصنع إنسانا يستطيع أن يقف وحده.و تصبح الجامعة قضية سياسية حتى عندما لا تتحدث عن السياسة.فالجامعة التي تعلم التفكير النقدي تنتج مواطنا يصعب خداعه.والجامعة التي تنتج المعرفة المستقلة تنتج مجتمعا يستطيع مساءلة مؤسساته.أما الجامعة التي تختزل التعليم في شهادة، فقد تنتج موظفين ممتازين في تنفيذ التعليمات، لكنها لا تضمن إنتاج مواطن يعرف كيف يحمي حقه.لكن المسؤولية لا تقع على الجامعة وحدها.هناك الأسرة.الأسرة العربية في كثير من الحالات تريد من ابنها أن ينجح، لكنها قد لا تريد منه أن يكون مستقلا تماما.تريد منه أن يتعلم، لكن بشرط ألا يناقش كثيرا.تريد منه أن ينجح، لكن بشرط ألا يخرج كثيرا عن الجماعة.تريد منه أن يكون مختلفا، لكن ليس إلى درجة تزعج الآخرين.وهكذا يصبح الاختلاف مقبولا ما دام سطحيا.يمكنك أن ترتدي ملابس مختلفة.أن تعمل في مهنة مختلفة.أن تذهب إلى جامعة مختلفة.لكن عندما تبدأ في التشكيك في فكرة اجتماعية راسخة، تصبح المشكلة.لأن المجتمع قد يقبل اختلاف المظهر بسهولة أكبر من اختلاف العقل.وهنا يولد نوع غريب من المتعلمين إنسان متعلم أكاديميا، لكنه غير مستقل فكريا.يحمل شهادة حديثة، لكنه يحمل داخله كثيرا من أفكار الماضي دون أن يفحصها.يستخدم التكنولوجيا الحديثة، لكنه يفكر بمنطق السلطة القديمة.يدرس الديمقراطية، لكنه يريد إسكات خصمه.يدرس حقوق الإنسان، لكنه يرفض حقوق من يختلف معه.يدرس القانون، لكنه يبحث عن واسطة عندما يحتاج إلى خدمة.يدرس الإدارة، ثم يظلم الموظف الذي يعمل معه.المشكلة هنا ليست نقص المعلومات.إنها أزمة تناقض بين المعرفة والسلوك.وهذا النوع من التناقض أخطر من الجهل البسيط.الجاهل لا يعرف.أما المتعلم الذي يعرف ثم يرفض تطبيق ما يعرفه، فهو يعرف المشكلة ويختار مصلحته.ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن تفعله الجامعة هو أن تمنح الإنسان لغة نقدية دون أن تمنحه شجاعة أخلاقية.قد يتعلم مصطلحات مثل الديمقراطية والعدالة والحرية وحقوق الإنسان، ثم يستخدمها فقط عندما تخدم موقفه.فيصبح المثقف نسخة أكثر تعقيدا من الشخص الذي ينتقده.وهنا نصل إلى السياسة.السلطة لا تحتاج دائما إلى قمع الجميع.يكفي أحيانا أن تجعل الناس يعتقدون أن الاقتراب منها هو الطريق إلى النجاح.
وظيفة هنا ترقية هناك منحة عقد منصب.دعوة امتياز شيئا فشيئا يصبح الولاء أكثر فائدة من الاستقلال.ويبدأ بعض المتعلمين في إعادة تعريف مبادئهم وفقا لمصالحهم.ليس لأنهم لم يتعلموا، بل لأنهم تعلموا كيف يربحون من النظام.وهنا تتحول الشهادة إلى أداة للترقي داخل المنظومة بدلا من أن تكون أداة لنقدها. والمجتمع يساعد على ذلك عندما يصف الإنسان المستقل بأنه متهور، والناقد بأنه مشاغب، ومن يرفض التنازل عن مبادئه بأنه لا يعرف مصلحته يصبح الشخص الذي يعرف كيف يصمت في الوقت المناسب عاقلا.والذي يعرف كيف يقترب من أصحاب النفوذ ذكيا.والذي يحصل على الامتيازات عبر العلاقات ناجحا هكذا تنقلب المعايير.الشجاعة تصبح تهورا الاستقلال يصبح عنادا. الطاعة تصبح حكمة.الواسطة تصبح ذكاء اجتماعيا والنفاق يصبح دبلوماسية.وعندما تنقلب المعايير بهذه الطريقة، يصبح إصلاح الدولة أصعب، لأن المشكلة لم تعد في القوانين وحدها.لقد دخلت إلى الضمير الاجتماعي.ثم تأتي القبيلة والعائلة والانتماءات المحلية لتضيف طبقة أخرى.عندما يكون ولاء الإنسان لجماعته أقوى من ولائه للمصلحة العامة، قد يرى القانون عادلا عندما يخدم جماعته، وظالما عندما يعاقب أحد أفرادها.وهنا لا يعود السؤال: ماذا يقول القانون؟ بل: من هو الشخص؟ من أي عائلة؟من أي قبيلة؟من أي جماعة؟ هذه العقلية تجعل بناء المواطنة أصعب.لأن المواطن في الدولة الحديثة يفترض أن يدخل المجال العام بصفته فردا متساويا أمام القانون.أما في المجتمع الذي تتقدم فيه الجماعة على المؤسسة، فقد يدخل الإنسان إلى الدولة حاملا معه كل علاقاته القديمة.وهنا تصبح الوظيفة العامة امتدادا للقرابة، وتصبح المؤسسة امتدادا للعائلة، ويصبح المسؤول ممثلا لجماعته قبل أن يكون مسؤولا عن الدولة.وعندها يمكن أن تتآكل الدولة من الداخل دون أن يسقط مبنى واحد.وهنا نعود إلى السؤال الأول هل نريد مواطنين أحرارا أم موظفين مطيعين؟ إذا كنا نريد مواطنين أحرارا، فعلينا أن نقبل نتائج الحرية سنسمع النقد. سنواجه الأسئلة الصعبة سنجد طلابا يختلفون مع أساتذتهم وموظفين يعترضون على مديريهم.وصحفيين يسألون المسؤولين. ومواطنين يطالبون بحقوقهم.وشبابا لا يقبلون الإجابة القديمة لمجرد أنها قديمة.هذا قد يكون مزعجا.لكنه صحي.الدولة التي لا تسمع إلا التصفيق لا تعرف أخطاءها في الوقت المناسب. والمؤسسة التي لا تسمح لموظفيها بالاعتراض قد تكتشف أخطاءها بعد أن تصبح كارثة.والجامعة التي لا تحتمل السؤال لا تنتج باحثين، بل منتجين للنسخ.
أما إذا كنا نريد موظفين مطيعين فقط، فالأمر أسهل.لا نحتاج إلى أسئلة كثيرة.ولا إلى نقاشات طويلة.ولا إلى تفكير نقدي.يكفي أن نحفظ الناس أدوارهم.من يأمر.ومن ينفذ ومن يسأل ومن يصمت. لكن هذه ليست دولة حديثة هذه إدارة للأفراد الدولة الحديثة لا تحتاج إلى مواطن يصفق لها في كل مرة.تحتاج إلى مواطن يستطيع أن ينتقدها ثم يحترم القانون.تحتاج إلى موظف يستطيع أن يقول لمديره: هذا القرار خاطئ، دون أن تتحول الملاحظة إلى خيانة.تحتاج إلى طالب يستطيع أن يقول لأستاذه: لدي دليل مختلف، دون أن يخاف من الرسوب.تحتاج إلى صحفي يستطيع أن يسأل المسؤول، دون أن يصبح السؤال جريمة.وتحتاج إلى مجتمع يستطيع أن يرى اختلاف أبنائه باعتباره ثراء، لا تهديدا. الحرية ليست فوضى والنقد ليس كراهية للدولة والاختلاف ليس خيانة والمساءلة ليست عداء.بل هي الأدوات التي تمنع السلطة من التحول إلى ملكية شخصية.ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين المواطن والسلطة فقط.إنها داخل الإنسان نفسه.هل يريد أن يكون حرا عندما يدفع ثمن الحرية؟هل يستطيع أن يتحمل مسؤولية قراره دون أن يبحث دائما عن شخص يلقي عليه اللوم؟ هل يستطيع أن يعارض السلطة ثم يقبل القانون؟هل يستطيع أن يطالب بحريته ويمنح الآخرين الحرية نفسها؟هل يستطيع أن يرفض الواسطة حتى عندما تكون في مصلحته؟ هل يستطيع أن يستخدم سلطته الصغيرة دون أن يتحول إلى نسخة ممن كان يشتكي منهم؟ هذه هي الأسئلة التي لا تجيب عنها الشهادة ولا يحلها المرسوم.ولا تستطيع الحكومة وحدها أن تغيرها.إنها تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان نفسه.لأن المشكلة ليست أننا نعيش تحت سلطات قوية فقط.المشكلة أننا كثيرا ما نحلم بالخروج من سلطة من فوقنا، لكي نمارس السلطة نفسها على من تحتنا.
نريد أن نتحرر من المدير، ثم نتحول إلى مدير مستبد.نريد أن نتحرر من المسؤول، ثم نستخدم علاقاتنا عندما نصل إليه.نريد أن ننتقد الواسطة، ثم نطلبها لأبنائنا.نريد الديمقراطية عندما نكون أقلية، ونرفضها عندما نصبح أغلبية.و يتضح أن بناء المواطن الحر ليس مهمة انتخابية أو تعليمية فقط.إنه تغيير عميق في الثقافة. أن يتعلم الإنسان أن القوة ليست حقا في إذلال الآخرين.وأن الوظيفة ليست ملكا لصاحبها.وأن المنصب مسؤولية مؤقتة.وأن القانون أعلى من العلاقة الشخصية.وأن الاختلاف لا يلغي المواطنة.وأن الدولة ليست شخصا وأن المسؤول ليس الوطن.وأن نقد الحكومة ليس كراهية للبلد. وأن حب البلد لا يعني الصمت عن أخطائه.عندها فقط يمكن أن تتحول الجامعة من مصنع للشهادات إلى مساحة لصناعة الإنسان.وعندها يمكن أن يصبح الموظف مواطنا داخل مكتبه، لا مجرد منفذ للأوامر. وعندها يصبح المواطن شريكا في الدولة، لا مجرد شخص ينتظر منها وظيفة أو خدمة أو حماية.المجتمع الذي يريد دولة قوية عليه أن يتوقف عن صناعة الإنسان الضعيف.
والدولة التي تريد مؤسسات قوية عليها أن تتوقف عن مكافأة الطاعة وحدها.والجامعة التي تريد أن تكون جامعة عليها أن تعلم الطالب شيئا أخطر من الإجابة الصحيحة أن يسأل السؤال الصحيح.فالمواطن الحر ليس إنسانا يرفض كل سلطة.إنه إنسان يعرف حدود السلطة وحدود نفسه.يعرف متى يطيع القانون، ومتى يعترض على القرار.يعرف كيف يختلف دون أن يتحول إلى عدو.ويعرف أن الحرية ليست امتيازا يمنحه القوي للضعيف، بل حقا ومسؤولية للجميع. السؤال ليس: هل نريد مواطنين أحرارا أم موظفين مطيعين؟ السؤال الأعمق هو هل نريد دولة تحتاج إلى طاعة الناس لكي تستمر، أم دولة تستطيع أن تستمر لأن مؤسساتها أقوى من الأشخاص؟ هناك يبدأ الفرق بين الدولة التي تحكم الإنسان، والدولة التي يبنيها الإنسان.
#زكريا_نمر