في موضوع رواتب معلمي وتربويي عدن، يبدو أن هناك شيئاً من الخلط بدأ يتسع أكثر مما ينبغي، والسبب ببساطة أن موضوعًا مالياً ومصرفياً بحتاً جرى تقديمه للرأي العام وكأنه قرار صادر من مكتب التربية، ثم جرى التعامل معه وكأن التراجع عنه أو تأجيله إنجاز شخصي، بينما ذهبت النقابة إلى رفض الآلية على أساس أن المعلم لن يستطيع استلام راتبه إلا من خلال هاتف ذكي وتطبيق مصرفي.
والحقيقة أن الموضوع يحتاج إلى أن نضع كل شيء في مكانه الصحيح.
مكتب التربية والتعليم بالعاصمة عدن أصدر تعميماً لمديري الإدارات بشأن إيداع راتب أغسطس في الحسابات البنكية، وأوضح أن بنك عدن سيقوم بإيداع رواتب 9119 موظفاً من العاملين في الميدان كدفعة أولى، وأن المكتب سينشر المواد التي أعدها البنك لشرح إجراءات فتح الحساب وتفعيله واستلام الراتب.
هذا التعميم، بحد ذاته، لا يعني أن مكتب التربية هو من قرر التحول إلى النظام البنكي، ولا يعني أن المكتب هو الجهة التي وضعت آلية الصرف أو تطبيق البنك.
مكتب التربية جهة عمل لديها آلاف الموظفين، ومن الطبيعي أن يبلغ موظفيه بما يتعلق برواتبهم، وأن ينسق مع الجهات المختصة بشأن كشوفات الموظفين وإيصال التعليمات إليهم. لكن تحديد النظام المالي والمصرفي وآلية عمل البنك والتطبيق وقنوات السحب والاستلام ليست من اختصاص مكتب التربية، وإنما من اختصاص الجهات المالية والمصرفية المعنية.
وهنا تحديدًا يجب أن نفرق بين أمرين.
أن يقوم مكتب التربية بنشر فيديو صادر عن البنك يشرح للمعلمين كيفية فتح الحساب أو تفعيله، فهذا إجراء توعوي يمكن فهمه في إطار خدمة الموظف وإيصال المعلومة إليه.
أما أن يُفهم من ذلك أن مكتب التربية هو صاحب القرار في النظام المصرفي أو أنه يستطيع بمفرده إلغاءه أو تأجيله، فهذه مسألة أخرى تماماً.
ومن هنا نصل إلى المنشور الذي كتبه الأستاذ عادل باحزيم، والذي شكر فيه الدكتورة مايسة عشيش بعد تواصله معها، وقال إن إجراءات البنك سيتم تأجيلها إلى الشهر القادم مراعاة لظروف المعلمين.
الاحترام واجب، والشكر حق لمن يستحقه، لكن الرأي العام والمعلمين تحديداً يحتاجون إلى معرفة شيء واحد:
ما الذي تم تأجيله بالضبط؟
هل تم تأجيل إيداع الراتب في الحساب البنكي؟
أم تم تأجيل إجراء مصرفي معين؟
أم تم منح المعلمين مهلة لاستكمال فتح الحسابات؟
أم أن هناك ترتيبات أخرى تتعلق بطريقة الاستلام؟
لأن الفرق بين هذه الأشياء كبير جداً.
لا يمكن أن يتحول تواصل إداري مع مكتب التربية إلى انطباع لدى آلاف المعلمين بأن قراراً مالياً حكومياً واسعاً قد تم إيقافه أو تغييره، ما لم يصدر بذلك قرار واضح من الجهة صاحبة الاختصاص.
وفي المقابل، بيان نقابة المعلمين والتربويين الجنوبيين بالعاصمة عدن يحتاج هو الآخر إلى قراءة هادئة.
النقابة محقة في أن تضع ظروف المعلم المعيشية في الاعتبار، ومحقة في المطالبة بألا تتحول أي إجراءات جديدة إلى عبء إضافي على الموظف.
لكن القول إن الراتب أصبح مرتبطًا بامتلاك هاتف ذكي أو القدرة على استخدام تطبيق مصرفي يحتاج إلى معرفة الآلية الفعلية التي سيتيحها البنك للموظف.
فإيداع الراتب في حساب بنكي لا يعني بالضرورة أن التطبيق هو الوسيلة الوحيدة للحصول على الراتب.
هناك فرق بين امتلاك حساب مصرفي وبين طريقة إدارة الحساب، وفرق آخر بين استخدام التطبيق وبين إمكانية السحب أو الاستلام عبر الفروع أو أجهزة الصراف أو القنوات التي يحددها البنك.
وهنا تحديداً كان يفترض أن يكون السؤال النقابي أكثر وضوحاً :
كيف سيستلم المعلم راتبه فعلياً؟
هل توجد فروع كافية؟
هل توجد أجهزة صراف؟
هل توجد وسائل بديلة لمن لا يمتلك هاتفاً ذكياً؟
ماذا عن كبار السن؟
ماذا عن الموظف الذي لا يجيد التعامل مع التطبيقات؟
هل توجد رسوم؟
وهل يستطيع الموظف الوصول إلى راتبه بسهولة وفي الوقت المحدد؟
هذه أسئلة مشروعة جداً، بل ربما هي أهم من الدخول في معركة عنوانها "مع البنك أو ضد البنك"!.
فالتحول إلى النظام المصرفي، إذا كان جزءاً من إصلاح مالي وتنظيم حكومي، شيء، وضمان أن يكون وصول المعلم إلى راتبه سهلاً وميسراً شيء آخر.
المطلوب ليس أن نضع المعلم في مواجهة البنك، ولا أن نجعل البنك في مواجهة المعلم، ولا أن نحول مكتب التربية إلى جهة مصرفية.
المطلوب أن تكون الأدوار واضحة.
الجهات المالية والمصرفية تضع النظام وتنفذه، والبنك يشرح للموظف خدمته وقنوات الاستلام، ومكتب التربية يبلغ موظفيه وينسق ما يخصهم إدارياً، والنقابة تراقب أثر التطبيق على المعلمين وتطالب بحلول عملية لأي مشكلة تظهر.
أما أن يتحول الموضوع إلى منشور شكر باعتبار أن مكتب التربية أوقف قرار البنك، أو إلى بيان نقابي يرفض النظام المصرفي كله لأن البعض قد لا يمتلك هاتفاً ذكياً، فهنا نكون قد خرجنا من جوهر المشكلة.
المعلم لا يريد خطاباً كبيراً.
المعلم يريد راتبه كاملاً ، في موعده، وبطريقة واضحة، ومن دون أن يدفع ثمن أخطاء الإجراءات أو غموضها.
وهذه هي النقطة التي يجب أن ينشغل بها الجميع.
فالتحول المصرفي يمكن أن يكون شأناً تنظيماً ومالياً، لكن نجاحه الحقيقي لا يقاس بعدد الحسابات التي فُتحت، وإنما بقدرة المعلم على الوصول إلى راتبه بسهولة وأمان ومن دون تعقيد.
وفي النهاية، لا مكتب التربية هو البنك، ولا النقابة هي الجهة المصرفية، ولا أي شخص مهما كان حضوره يستطيع أن ينسب لنفسه قراراً لا يملكه.
المسألة أكبر من الأشخاص، وأهم من المنشورات.
إنه راتب معلم قضى شهراً كاملاً في مدرسته، ومن حقه أن يعرف أين أصبح راتبه، وكيف سيصل إليه، ومن المسؤول عن كل خطوة في هذه العملية.
هذا كل ما يحتاجه الرأي العام والمعلم في عدن.
أ. ماهر محمد سالم باهديلة