إلى متى سيظل الشعب اليمني يدفع ثمن النزوح والتهجير، داخل وطنه وخارجه؟
سؤال لا أعتقد أن أحدًا يملك له إجابة، لأن المأساة مستمرة، وكلما حاول اليمنيون التقاط أنفاسهم والعودة إلى مناطقهم وبيوتهم، جاءت جولة جديدة من الحرب لتعيدهم إلى نقطة الصفر من جديد.
اليمني لا يريد أن يعيش نازحًا.
يريد فقط أن يعود إلى بيته، إلى مدينته، إلى أرضه، إلى عمله، وإلى الحياة التي سُلبت منه طوال سنوات الحرب. لكن المؤلم أن العودة في اليمن أصبحت حلمًا مؤجلًا، وكلما اقتربت أسرة من تحقيقه، أعادتها أصوات المدافع إلى طريق النزوح مرة أخرى.
ما يحدث اليوم على الساحل الغربي وجبهات جنوب تعز ليس مجرد تطور عسكري جديد، بل مأساة إنسانية تتسع مع كل تقدم للقتال. وقد حذرت المنظمة الدولية للهجرة من موجة نزوح جديدة، مؤكدة أن كثيرًا من الأسر اليمنية اضطرت إلى الفرار أكثر من مرة خلال سنوات الصراع، وبعضها للمرة الثانية والثالثة، بعدما فقدت معظم ما تملك.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فخلف كل أسرة نازحة قصة بيت تركته خلفها، وأرض لم تعد إليها، ومصدر رزق فقدته، وأطفال انقطعت دراستهم، وأم تنتظر أن تعود إلى منزلها، وأب لم يعد يعرف أين يمكن أن يبدأ حياته من جديد.
المنظمة الدولية للهجرة عبّرت عن هذه الحقيقة بوضوح عندما أكدت أن خلف أرقام النزوح عائلات فقدت كل شيء، وأن بعض اليمنيين اضطروا إلى عبور البحر هربًا من الحرب، وليس معهم سوى ما استطاعوا حمله.
أي وطن هذا الذي يضطر أبناؤه إلى عبور البحر بحثًا عن مكان آمن؟
وأي حرب هذه التي تجعل الإنسان اليمني يترك منزله، ثم يترك المحافظة التي نزح إليها، ثم يفكر في مغادرة البلاد نفسها، لأنه لم يعد يرى في الداخل مكانًا آمنًا يمكن أن يحتمي فيه؟
الأكثر قسوة أن اليمنيين لم يعودوا غرباء عن النزوح. أصبح لدينا جيل كامل يعرف معنى أن يترك الإنسان بيته على عجل، وأن يحمل أطفاله في منتصف الليل، وأن يبحث عن مكان لا يعرفه، وأن يبدأ حياته من جديد من الصفر.
ثم تأتي الحرب مرة أخرى.
وهكذا تتكرر الحكاية.
نزوح، ثم محاولة للعودة، ثم تصعيد، ثم نزوح جديد.
وكأن اليمني محكوم عليه أن يبقى خارج بيته حتى إشعار آخر.
اليوم، ونحن نرى ما يحدث في المخا وحيس والخوخة ومناطق أخرى من الساحل الغربي وجنوب تعز، يجب ألا نتعامل مع الأمر باعتباره مجرد خريطة عسكرية تتغير. خلف كل منطقة تتغير السيطرة عليها هناك مدنيون، وعائلات، وأطفال، ونساء، ومرضى، وكبار سن، وأشخاص فقدوا ما تبقى لهم من أمل.
والأخطر أن المناطق التي تستقبل النازحين هي الأخرى تعاني.
عدن ولحج وتعز وغيرها ليست مدنًا قادرة على تحمل موجات نزوح متواصلة إلى ما لا نهاية. هذه المحافظات تستضيف أصلًا أعدادًا كبيرة من النازحين، وتعاني من ضعف الخدمات وتدهور الاقتصاد وارتفاع الأسعار وانقطاع الكهرباء والمياه ومحدودية فرص العمل.
فكيف يمكن لمدينة أنهكتها الحرب أن تستوعب موجة جديدة من الهاربين من الحرب؟
هذه ليست مشكلة النازحين وحدهم.
هذه مشكلة وطن كامل.
حين يفر اليمني من منطقة إلى أخرى، فهو لا يهرب من وطنه، وإنما يبحث عن وطن داخل وطنه. وحين يعبر البحر إلى بلد آخر، فهو لا يبحث عن رفاهية، بل عن مكان يستطيع فيه أن ينام دون أن يخاف من صوت القصف.
ولهذا فإن الحديث عن السلام لا يمكن أن يبقى مجرد بيانات سياسية ومفاوضات بين الأطراف.
السلام الحقيقي يبدأ عندما يستطيع النازح العودة إلى منزله بأمان.
يبدأ عندما تتوقف الجبهات عن إنتاج نازحين جدد.
يبدأ عندما يشعر المواطن أن الدولة قادرة على حمايته، وأن بيته لن يتحول غدًا إلى جبهة قتال جديدة.
لقد دفع الشعب اليمني ثمن هذه الحرب أكثر مما يستطيع تحمله. دفع من أبنائه، ومن أمنه، ومن اقتصاده، ومن مستقبله، ودفع أيضًا من كرامته الإنسانية.
ولا يجوز أن تستمر الحرب في إنتاج الضحايا ثم نكتفي بإحصائهم.
نحن بحاجة إلى أن نتوقف أمام هذه المأساة بجدية، لا أن ننتظر تقريرًا جديدًا من منظمة دولية يخبرنا أن آلاف الأسر نزحت مرة أخرى.
فكل أسرة نزحت هي فشل جديد في حماية الإنسان.
وكل طفل ترك مدرسته هو خسارة جديدة لمستقبل اليمن.
وكل بيت هُجر هو جرح جديد في وطن أنهكته الحرب.
اليمنيون لا يريدون المزيد من المخيمات، ولا يريدون أن تصبح حياة النزوح قدرًا دائمًا لأبنائهم.
يريدون العودة.
يريدون الأمن.
يريدون الدولة.
يريدون أن يعيشوا في مدنهم دون خوف، وأن يعملوا ويعلموا أبناءهم، وأن يشعروا أن الحرب أصبحت من الماضي لا أنها تنتظرهم في الطريق.
إلى متى سيظل اليمني نازحًا في وطنه؟
وإلى متى سنعيد إنتاج المأساة نفسها كلما حاول الناس العودة إلى الداخل؟
لقد حان الوقت لأن تكون عودة الإنسان اليمني إلى بيته هدفًا قبل أي حساب سياسي أو عسكري.
فالوطن الذي لا يستطيع أن يعيد أبناءه إلى بيوتهم، لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات.
يحتاج إلى سلام حقيقي.
اتركوا لليمنيين فرصة واحدة ليعودوا إلى وطنهم… بدل أن تجبرهم الحرب في كل مرة على البحث عن وطن آخر.