من وجهة نظري أن الرسائل التي نراها اليوم يجب أن تُقرأ مع بعضها كلوحة واحدة، وليس كأحداث معزولة. عندما يتحدث الدكتور عبدالخالق عبدالله عن الرهان على شعب الجنوب العربي وعن قيادة جماعية لاستعادة الدولة الجنوبية المستقلة وتقرير المصير، فإن هذا الكلام يأتي في وقت حساس جداً، وسط تحولات إقليمية كبيرة وتقاربات تشكل المشهد من جديد.
نحن كجنوبيين بحاجة إلى الإمارات كحليف إقليمي استراتيجي وقوي. لا مصلحة للجنوب أبداً في خسارة هذا الحليف؛ فعلاقتنا بالإمارات قامت على سنوات من التضحيات والمصالح المشتركة، ويجب الحفاظ عليها وتطويرها بما يخدم قضية الجنوب وأمنه ومستقبله.
أما بالنسبة للعلاقة مع السعودية، فالمشكلة ليست مع الشعب السعودي ولا مع أمن المملكة الحيوية، بل مع السياسة التي تحاول إبقاء الجنوب مرتهناً لمشروع الوحدة اليمنية، وفي الوقت نفسه تضغط باتجاه استخدام القوات الجنوبية كـ "جيش احتياط" في معارك الشمال وخارج حدود الجنوب. نحن دفعنا ثمناً باهظاً في هذه الحرب، ولا يجوز أن يتحول شبابنا إلى وقود لمناطق لا يريد أهلها تحريرها، ثم يُقال لنا في النهاية إن "الوحدة خط أحمر".
والأخطر ميدانياً هو المحاولات المتكررة لإعادة ترتيب المشهد في العاصمة عدن والمحافظات الجنوبية تحت عناوين مختلفة، بينما يُراد تفريغ الجبهات الجنوبية أو القفز على خيارات الشارع. وما حدث من قصف لقوة جنوبية في كَهْبُوب يحمل رسائل نارية يزيد مخاوفنا ويطرح السؤال المصيري: إلى أين يُراد أخذ الجنوب؟
ولهذا، عندما كنا ننادي ونطالب بقايدة جديده او بمجلس رئاسة جنوبي مصغر أو قيادة جماعية -تعلن استقلال القرار الجنوبي- كما ذكر عبد الله عبدالخالق، يجب أن نكون واقعيين وقراءتنا للمشهد ناضجة: الطريق لن يكون مفروشاً بالورد، لكنه أيضاً ليس طريقاً للمغامرة غير المحسوبة.
التحرك نحو القرار المستقل لن يواجه بالضرورة صدمة عسكرية مباشرة أو قصفاً طالما ثبت الجنوبيون على أرضهم وحلفاءهم يسعون للتدخل تحت اي فشل سعودي جديد في سياستها تجاه اليمن، والرياض مدركة لخطورة الانفجار المباشر مع الشارع الجنوبي وقواته. لكن مواجهتها ستكون عبر أدوات ضغط ناعمة وخانقة:
حرب الخدمات والاقتصاد: بالضغط المالي، وإيقاف الودائع ودعم المشتقات والرواتب لإحراج القيادة الجنوبية أمام ناسها.
السياسة والشرعية: استخدام غطاء مجلس الأمن والقرارات الدولية لوصم أي خطوة جنوبية بـ "الأحادية"، واستخدام العزل السياسي وتقييد الحركة.
تحريك الأوراق الميدانية: عبر القوات الموالية لها أو محاولة تحييد المحافظات الشرقية (كحضرموت والمهرة) لشق الصف.
أمام هذه التحديات، خيارنا ليس التصادم العشوائي ولا الرضوخ التام، بل فرض الأمر الواقع بحكمة وثبات. السعودية عندما تجد قيادة جنوبية صلبة، ممثلة لشعبها، ومسيطرة على أرضها، ومتمسكة بحلفائها، ستتجه في النهاية -حتى لو بعد فترة من الضغوط الحادة- إلى التعامل مع الواقع الجديد والبحث عن صيغة مفاوضات قائمة على المصالح المشتركة والأمن القومي للجميع.
المطلوب اليوم:
قيادة جنوبية جماعية وقرار جنوبي موحد ومستقل.
تمسك بحليفنا الاستراتيجي (الإمارات) وتطوير التحالف معها.
بناء علاقة مع السعودية تقوم على الندية والمصالح المتبادلة لا الوصاية.
التأكيد على أننا خط الدفاع الأول ضد الحوثي لحماية أرضنا، لكن تحرير الشمال هو مسؤولية أبنائه وقواته.
الجنوب لا يبحث عن عداء مع أحد، لكنه لن يكون ساحة لتصفية الحسابات ولا خزاناً بشرياً لحروب الآخرين فقرار الجنوب يصنعه أبناؤه بالثبات والعقل والجاهزية لكل السيناريوهات.