الراتب ليس منّة.. فأين ذهبت وعود الحكومة ومنحة الـ90 مليون دولار؟

قبل 41 دقيقة


أديب العقيلي
بقلم: أديب العقيلي
ارشيف الكاتب

إلى الحكومة اليمنية.. إلى رئيس الوزراء.. إلى وزارة المالية والبنك المركزي:

إلى متى سيظل راتب الموظف اليمني رهينة للأزمات والوعود؟

الموظف لا يطلب صدقة، ولا ينتظر منّة من أحد؛ إنه يطالب بحقه القانوني والإنساني في راتبٍ يأتي في موعده، حتى يستطيع أن يطعم أسرته ويدفع إيجار منزله وعلاج أطفاله ويلبي أبسط متطلبات الحياة.

الحكومة وظيفتها الأساسية أن تدير موارد الدولة، وتضع الموازنة، وتحصّل الإيرادات، وتضمن انتظام الإنفاق العام، وفي مقدمة ذلك رواتب الموظفين. وحين يصبح الراتب متأخرًا شهراً بعد شهر، فإن السؤال لم يعد: متى سيُصرف؟ بل أصبح: من يتحمل مسؤولية هذا التعطيل؟

في يناير 2026، أُعلن عن دعم سعودي عاجل بقيمة 90 مليون دولار لتعزيز البنك المركزي، وخصص لصرف مرتبات موظفي الدولة المدنيين والعسكريين عن الأشهر المتأخرة، بل إن رئيس الوزراء حينها وجّه البنك المركزي ووزارة المالية بسرعة استكمال الإجراءات والصرف دون تأخير.

وهنا يحق للمواطن أن يسأل بكل وضوح:

أين ذهبت آثار ذلك الدعم على انتظام الرواتب؟

وإذا كانت الحكومة قد حصلت على دعم مخصص لمعالجة المتأخرات، فلماذا لا نرى حتى اليوم آلية واضحة تضمن أن يستلم الموظف راتبه كل شهر وفي موعده؟

المشكلة ليست في أن السعودية دعمت اليمن، بل في أن الدعم الخارجي يجب أن يكون سندًا للإصلاح وليس بديلاً عن الدولة. وقد أشارت تقارير اقتصادية إلى أن الدعم السعودي اللاحق شمل كذلك تمويل عجز الموازنة وفاتورة الأجور، ما يجعل الحاجة إلى الشفافية في كيفية إدارة هذه الموارد أكثر إلحاحًا.

أما الموظف في مكتب الصحة بعدن، وغيره من موظفي الدولة، فلا يريد خطابات ولا اجتماعات ولا بيانات إعلامية؛ يريد أن يعرف ببساطة: أين راتبه؟ ومتى سيُصرف؟ ولماذا لا توجد روزنامة شهرية ثابتة للصرف؟

والأخطر من تأخر الراتب هو أن يتحول التأخير إلى أمر طبيعي، وأن يصبح المواطن مضطرًا كل شهر إلى البحث عن خبر في مواقع التواصل: هل نزل الراتب؟ هل وصلت المنحة؟ هل صدرت التوجيهات؟ هل تحركت وزارة المالية؟

هذه ليست إدارة دولة.. هذه إدارة أزمة مستمرة.

ولرئيس الوزراء تحديدًا نقول: نعم، هناك اجتماعات حكومية عُقدت وناقشت ملف الرواتب، ومنها الاجتماع الحكومي المصغر في يونيو الذي بحث صراحةً انتظام صرف المرتبات. لكن المواطن لا يقيس أداء الحكومة بعدد الاجتماعات، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية: راتب منتظم، كهرباء مستقرة، خدمات تعمل، ومؤسسات تؤدي واجبها.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس بيانًا جديدًا، بل كشف حساب واضح:

أين ذهبت الأموال المخصصة للرواتب؟

ما حجم الموارد التي دخلت خزينة الدولة؟

ما الذي يمنع صرف راتب كل شهر في موعده؟

وأين الخطة الحكومية التي تضمن عدم تكرار هذه الأزمة؟

إن صمت الحكومة أمام معاناة الموظفين ليس خيارًا إداريًا، والتأخر المستمر في صرف الرواتب ليس مجرد خلل بسيط؛ إنه اختبار حقيقي لجدية الدولة وقدرتها على تحمل مسؤولياتها.

أما المواطن، فقد سئم الانتظار.

فلا تجعلوا راتب الموظف آخر ما تفكرون فيه، بينما هو أول ما يفكر فيه الموظف كل صباح.

وإن كانت الحكومة عاجزة عن ضمان أبسط حقوق الموظف، فعليها أن تصارح الناس بالحقيقة كاملة، لا أن تتركهم أسرى للشائعات والوعود المؤجلة.

الراتب حق.. والشفافية حق.. ومحاسبة المسؤول عن التقصير حق.


بقلم أديب العقيلي