قبل أيام، أُعلن ما سُمّي بـ«صندوق القتل» في الساحل الغربي، وحدّدت القوات الحكومية نطاقًا شمل حيس والخوخة والمخا والوازعية مسرحًا للعمليات. واليوم، بعد تطورات متسارعة، تغيّر المشهد: سيطر الحوثيون على حيس والخوخة والمخا، وتمددوا غربًا نحو ذباب وميون، في تطور يعيد رسم خريطة الساحل ويضع اليمن أمام منعطف أخطر.
لا أتحدث هنا عن انتصار طرف أو هزيمة طرف، ولا أبحث عن قائد جديد لنصنع منه بطلًا على حساب الحقيقة. ما يعنيني السؤال الأكبر: كيف تغيّرت الأرض بهذه السرعة؟ وأين كانت الحسابات التي سبقت إعلان «صندوق القتل»؟
ومن يتحمّل مسؤولية ما حدث؟
ليس من المنطقي أن نسمع كل مرة عن خطط عسكرية كبرى، وعن مناطق ستتحول إلى ساحات حاسمة، ثم نستيقظ بعد أيام لنكتشف أن الخطوط تغيّرت، وأن القوات أعادت تموضعها، وأن المدنيين هم من يدفعون الثمن، بينما تبدأ القيادات في تبادل الاتهامات والبحث عن مبررات جديدة.
المخا ليست مدينة عادية. موقعها على البحر الأحمر وقربها من باب المندب يجعل أي تغيّر في السيطرة عليها تطورًا استراتيجيًا يتجاوز حدود مدينة أو جبهة عسكرية. ومع وصول الحوثيين إلى مناطق قريبة من المضيق، فإن المسألة لم تعد مجرد معركة على الساحل، بل أصبحت مرتبطة بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية ومصالح اليمن والمنطقة والعالم.
لكن وسط كل هذه الحسابات، أين الإنسان اليمني؟
أين الشباب الذين دفعوا ثمن هذه الحرب منذ بدايتها؟ أين الذين خرجوا إلى الجبهات، فمنهم من عاد شهيدًا أو جريحًا؟ أين أولئك الذين لم تكن لهم حسابات حزبية ولا مشاريع خارجية، وإنما ذهبوا دفاعًا عن مدنهم وبيوتهم ومستقبلهم؟
لقد تعبنا من أن يكون الشباب هم أول من يُستدعى عند الحرب، وآخر من يُسأل عند صناعة القرار.
تعبنا من أن تتحوّل دماء الشباب إلى أوراق تفاوض، وأن تُرفع صور الشهداء في المناسبات، بينما تُنسى حقوقهم، ويُترك الجرحى في طوابير الانتظار، ويُطلب من الجيل الجديد أن يذهب مرة أخرى إلى المعركة نفسها، تحت شعارات مختلفة وقيادات مختلفة، والنتيجة واحدة: مزيد من الدم، ومزيد من الخسائر.
أنا لا أريد أن أرى في هذه المرحلة بطلًا جديدًا يُصنع إعلاميًا من أي طرف. لا أريد تمجيد قائد أو فصيل أو حزب على حساب الحقيقة. إذا كانت هناك أخطاء أو تقصير أو سوء إدارة، فالمطلوب تحقيق ومحاسبة واضحة، لا صناعة روايات جديدة لتغطية الهزيمة.
والأهم من ذلك: اتركوا شبابنا هم من يصنعون التغيير.
كما صنعنا المجد في عدن عام 2015، عندما وقف أبناء المدينة في أصعب الظروف، ودافعوا عن مدينتهم وكرامتهم، ولم يكونوا ينتظرون شهادة من حزب أو فصيل حتى يثبتوا أنهم أصحاب قضية. كان الشباب يومها في مقدمة المشهد، لأنهم كانوا يعرفون أن الوطن ليس ملكًا لجماعة ولا لحزب ولا لشخص.
اليوم نريد من هذا الجيل أن يصنع المستقبل، لا أن يكون وقودًا لحروب الآخرين.
أبعدوا شبابنا عن أحزابكم، وعن الاصطفافات الضيقة، وعن الانتماءات التي تجعل اليمني تابعًا لهذا الطرف أو ذاك. أبعدوهم عن صراعاتكم وعن حساباتكم الإقليمية والدولية، وعن أخطاء متكررة يدفع ثمنها المواطن البسيط.
نحن لا نريد شبابًا يقاتلون من أجل أشخاص، بل شبابًا يعملون من أجل وطن.
ولا نريد أن نكرر تجربة السنوات الماضية؛ جبهة تتغير، ثم نبحث عن شماعة، ثم نرفع شعارًا جديدًا، ثم نرسل الشباب إلى جبهة أخرى، وبعد سنوات نكتشف أن المدن تغيّرت، والحدود تغيّرت، والموانئ تغيّرت، بينما حقوق الناس ما زالت مؤجلة.
الساحل الغربي اليوم يوجّه رسالة قاسية للجميع: الوطن لا يُدار بالشعارات، والجبهات لا تُحمى بالمؤتمرات، والدماء لا تُعوّض بالبيانات.
إذا كان الحوثيون قد تمكنوا من التقدم والسيطرة على المخا وحيس والخوخة والوصول إلى مناطق قريبة من باب المندب، فهذه لحظة يجب أن يتوقف عندها الجميع بجدية، بعيدًا عن المكابرة وتبادل الاتهامات.
نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية، وإلى قرار وطني واضح، وإلى مؤسسة عسكرية وأمنية تعمل وفق هدف واحد، لا وفق حسابات متعددة.
والأهم أننا بحاجة إلى أن يفهم الجميع أن الشباب ليسوا صندوقًا آخر للقتل.
لقد دفع هذا الجيل ما يكفي.
اتركوا لهم فرصة أن يصنعوا التغيير، وأن يبنوا الدولة، وأن يعيشوا حياة طبيعية، وأن يكونوا شركاء في القرار لا مجرد أسماء في قوائم الجبهات.
أبعدونا عن أحزابكم، وعن ارتهاناتكم، وعن صراعاتكم… واتركوا لنا الوطن.