اليمن أمام أخطر سؤال بعد تبدّل خريطة القوة
هناك لحظات في الحروب لا تكون أهميتها في الأرض التي سقطت
بل في النظام السياسي الذي قد يولد بعدها.
وما يجري على الساحل الغربي لليمن ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات.
المخا وذوباب وباب المندب وميون ليست مجرد نقاط على خريطة عسكرية.
إنها عقدة جغرافية تتقاطع فيها الحرب اليمنية مع أمن البحر الأحمر
والملاحة الدولية
والتنافس الإقليمي
ومستقبل توازنات القوة داخل اليمن.
لكن اختزال المشهد في سؤال
من يسيطر على الساحل؟
قد يكون خطأً استراتيجيًا.
السؤال الأخطر
من سيستخدم نتائج السيطرة على الساحل لإعادة تعريف السلطة في اليمن؟
لأن الحرب لا تعيد توزيع الأرض فقط.
إنها تعيد توزيع القوة
والموارد
والتمثيل
والشرعية
والقدرة على فرض القرار.
وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن تُقرأ خارج لغة البيانات العسكرية.
ليست المسألة إحلال قوة بأخرى
الخطر الحقيقي ليس أن يخسر فصيل ويصعد فصيل آخر.
الخطر أن يصبح الإحلال نفسه هو القاعدة السياسية الجديدة.
ففي دولة ممزقة
تستطيع المعركة أن تنتج واقعًا أخطر من مجرد تغيير السيطرة
قوة جديدة تمتلك الأرض
ثم تمتلك السلاح
ثم تمتلك القدرة على التفاوض
ثم تطالب بأن يتحول ما فرضته عسكريًا إلى حق سياسي.
وهكذا تنتقل النتيجة من الخريطة إلى طاولة المفاوضات.
ومن طاولة المفاوضات إلى مؤسسات الدولة.
وفي هذه اللحظة تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا
هل نحن أمام عملية استعادة للدولة
أم أمام إعادة توزيع للسلطة بين مراكز القوة؟
الفرق بين الاثنين ليس لغويًا.
إنه الفرق بين إنهاء الحرب وإعادة تدويرها.
الحرب التي تُنتج شرعية جديدة
أخطر ما يمكن أن يحدث في اليمن هو أن تتحول السيطرة العسكرية إلى معيار للتمثيل السياسي.
فإذا أصبح من يسيطر على الميناء أكثر تأثيرًا ممن يمثل السكان
ومن يملك القوة أكثر قدرة على فرض شروط التسوية
ومن يسيطر على الجغرافيا أكثر أهلية للحديث باسم الدولة
فإن السياسة تكون قد استسلمت نهائيًا لمنطق الحرب.
عندها لا يعود السؤال
كيف ننهي اقتصاد الحرب؟
بل يصبح السؤال
كيف نوزع عوائد الحرب على المنتصرين؟
وهذا ليس سلامًا.
إنه إعادة هندسة للنزاع تحت اسم التسوية.
الساحل الغربي يكشف الاختبار الحقيقي
لهذا فإن ما يحدث في الساحل يجب ألا يُقرأ باعتباره معركة منفصلة عن مستقبل الدولة اليمنية.
المؤشر الأهم ليس فقط اتجاه خطوط التماس
وإنما ما سيحدث بعد تثبيت تلك الخطوط.
هل ستذهب القوة الجديدة إلى مؤسسة وطنية؟
هل ستُوحّد القيادات؟
هل ستُعاد صياغة العلاقة بين القوات والسلطة السياسية؟
هل ستصبح الموانئ والمنافذ والموارد جزءًا من منظومة الدولة؟
أم سيجري ببساطة إعادة توزيع هذه الأصول بين مراكز نفوذ جديدة؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد معنى المعركة.
أما الحديث عن استعادةالدولة من دون الإجابة عنها
فلن يكون أكثر من شعار سياسي آخر.
باب المندب يضاعف الرهان
ثم تأتي الجغرافيا البحرية لتجعل الخطأ أكثر كلفة.
باب المندب
ليس تفصيلًا في الحرب اليمنية. إنه أحد المفاتيح التي تجعل الصراع اليمني جزءًا من حسابات أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية.
ومن يملك القدرة على التأثير في هذه الجغرافيا يملك ورقة استراتيجية تتجاوز الداخل اليمني.
لكن امتلاك الورقة لا يعني امتلاك اللعبة.
فكلما تحول الساحل إلى مصدر تهديد للملاحة ازداد تدويل الصراع
وضاقت مساحة المناورة أمام الأطراف المحلية
وأصبحت الجغرافيا اليمنية موضوعًا مباشرًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تمنح الجغرافيا قوةً تفاوضية
لكنها قد تستدعي في الوقت نفسه كلفةً دولية أكبر.
السؤال الذي يجب أن يقلق الجميع
المشكلة أن اليمن قد يكون مقبلًا على مرحلة تتغير فيها أسماء اللاعبين بينما تبقى قواعد اللعبة كما هي.
قد تتراجع قوة وتصعد أخرى.
قد تتغير التحالفات.
قد تتبدل القيادات.
وقد يُعاد توزيع الدعم الإقليمي.
لكن إذا بقي السلاح موزعًا
والقرار متعددًا
والمؤسسة العسكرية مجزأة
فإن الدولة لم تتغير.
لقد تغير فقط من يدير الانقسام.
وهنا يجب أن تكون الرسالة السياسية أكثر وضوحًا
ليس المطلوب إحلال مركز قوة جديد محل مركز قوة قديم. المطلوب إنهاء فكرة مراكز القوة نفسها.
ما بعد الساحل هو المعركة الحقيقية
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي تحول عسكري هو أن يبدأ سباق صامت على ترجمة النتائج إلى مواقع سياسية.
وهنا تظهر المؤشرات التي يجب مراقبتها:
إذا بدأ توزيع المناصب والقيادات والتمثيل السياسي وفقًا لموازين القوة الجديدة، فهذه علامة إحلال.
إذا جرى تثبيت مناطق النفوذ باعتبارها حصصًا سياسية
فهذه علامة إحلال.
إذا بقيت التشكيلات المسلحة خارج قيادة وطنية موحدة، فهذه علامة إحلال.
إذا تحولت السيطرة على الموانئ والمنافذ والموارد إلى مصادر نفوذ مستقلة عن الدولة
فهذه علامة إحلال.
أما إذا حدث العكس
توحيد القيادة
دمج القوات
إعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة
وإخضاع الموارد والمنافذ للسلطة الوطنية
فهنا فقط يمكن الحديث عن استعادة حقيقية للدولة.
اللحظة التي يجب ألا تُهدر
اليمن لا يملك رفاهية خوض حرب جديدة فقط لكي يعيد إنتاج الخريطة السياسية القديمة بأسماء جديدة.
ولا يستطيع المجتمع الدولي أن يتعامل مع كل تحول ميداني باعتباره مجرد
«تطور عسكري»
ثم ينتظر ظهور تسوية سياسية.
لأن بعض الانتصارات العسكرية لا تنهي الحرب.
بل تعيد تعريف من يملك حق صناعة السلام.
وهذا هو الخطر الذي يجب الانتباه إليه الآن.
فإذا أصبح المنتصر ميدانيًا هو من يحدد شكل التسوية
وأصبح صاحب السلاح هو من يحدد شكل الدولة
فإن الحرب تكون قد انتقلت من الجبهة إلى الدستور
ومن الخندق إلى مؤسسات الحكم.
وهنا تكون الكلفة أكبر بكثير.
هل نريد الدولة أم الغنيمة؟
الساحل الغربي ليس مجرد اختبار عسكري.
إنه اختبار لما إذا كان اليمن قادرًا على الخروج من اقتصاد القوة إلى منطق الدولة.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق أي احتفال بانتصار أو إعلان عن تسوية هو:
هل ستُستعاد الأرض للدولة
أم ستُستخدم الأرض لإعادة توزيع الدولة؟
هل سيُستخدم السلاح لإنهاء تعدد مراكز القوة
أم لإنتاج مركز قوة جديد؟
هل ستصبح نتائج المعركة خطوة نحو مؤسسة وطنية واحدة
أم ورقة تفاوضية في سوق النفوذ؟
لأن أخطر سيناريو ليس أن تنتصر قوة على أخرى.
الأخطر أن تنتصر فكرة القوة على فكرة الدولة.
وحينها لن تكون معركة الساحل الغربي نهاية فصل من الحرب اليمنية.
بل قد تكون بداية فصل جديد
إحلالٌ عسكري ينتج إحلالًا سياسيًا
ثم تتحول نتائج الحرب إلى نظام حكم جديد.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون الموقف واضحًا
اليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد يتقاسم الدولة
يحتاج إلى دولة تنهي الحاجة إلى المنتصرين.!