من يبكي الاوجاع في وطني المكنوب بالازمات، القابعةً في أعماق الروح، تأكلها بصمت، حتى يصبح الصمت نفسه نوعًا من الموت.
هكذا هو اليمن اليوم.
بلدٌ لم يُهزم لأنه فقير، ولم ينكسر لأنه قليل الرجال، ولم يسقط لأنه بلا تاريخ.
لقد أُنهك لأنه نسي حقه.
نسي أن له حقًا في أن يعيش.
نسي أن له حقًا في أن يثور.
نسي أن له حقًا في أن يبني.
نسي أن له حقًا في أن يحلم.
ثم نسي، وهذا هو الأخطر، أن الوطن ليس ملكًا لمن يرفع صوته باسم الله.
منذ متى أصبح البشر وكلاء حصريين عن السماء؟
ومنذ متى صار الدم البشري طريقًا إلى القداسة؟
ومن أعطى جماعةً من الناس مفاتيح الجنة، ومفاتيح الوطن، ومفاتيح عقول الناس، ثم قال لهم: سلّموا... فأنتم أمام قدرٍ لا يُناقش؟
لقد ختم الله رسالات السماء برسالة محمد ﷺ.
جاء محمد رسولًا، لا ملكًا على رقاب الناس.
ومات محمد ﷺ، وانتهى الوحي.
وبقيت الرسالة.
وبقي الإنسان.
وبقي العقل.
وبقيت مسؤولية البشر عن أوطانهم وأفعالهم.
فمن أين جاء هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا من نسبٍ أو سلالةٍ أو دعوى اصطفاءٍ بابًا دائمًا إلى الحكم؟
ومن أين جاء هذا المنطق الذي يريد من اليمني أن يقف أمام وطنه كالغريب، وأن يسأل صاحب السلطة: هل تسمح لي أن أكون مواطنًا؟
يا لهذا الوطن الذي يُطلب من أبنائه أن يعتذروا عن حقهم!
يا لهذا الشعب الذي يُراد له أن يقبل الفقر كأنه قدر، والخوف كأنه فضيلة، والصمت كأنه إيمان!
لقد جرى اغتيال اليمن على مهل.
لم يأتِ قاتل الوطن في ليلة واحدة.
جاءت الفكرة أولًا.
ثم جاءت الوصاية.
ثم جاء الخوف.
ثم جاء السلاح.
ثم صار الوطن نفسه هو المتهم.
وصار من يطالب بحقه في الدولة متآمرًا، ومن يرفض الوصاية خائنًا، ومن يسأل عن مستقبله خارجًا على الجماعة.
وهكذا يُغتال الشعب دون أن يسمع صوت الرصاصة الأولى.
يُغتال حين يُقتل السؤال في رأسه.
وحين يُقال له: لا تسأل.
وحين يُقال له: لا تحلم.
وحين يُقال له: لا تطالب.
وحين يُقال له، أخيرًا: اترك كل شيء لنا... ونحن نعرف مصلحتك أكثر منك.
وهنا تكون النكبة قد اكتملت.
فالشعوب لا تموت عندما تسقط مدنها فقط؛
تموت عندما تتخلى عن حقها في أن تقول: هذا وطني، وهذه حياتي، وهذا مستقبلي.
اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطب التي تلعن الخراب.
يحتاج إلى صحوة.
إلى أن يستعيد اليمني ذاكرته.
أن يتذكر أنه كان هنا قبل البنادق، وقبل المتاريس، وقبل أن تتحول السياسة إلى عقيدة، والوطن إلى غنيمة.
أن يتذكر أن له دولة.
وله كرامة.
وله صوت.
وله حق.
وله مستقبل لا يحق لأحد أن يرسمه نيابةً عنه.
إن الثورة التي تستحق اسمها ليست ثورة بندقية تبحث عن خصم، وإنما ثورة إنسان يبحث عن نفسه.
ثورة شعب يقول لمن صادروا حياته:
كفى.
كفى أن يكون الوطن مقبرةً لأحلامنا.
كفى أن ندفع ثمن أخطاء غيرنا.
كفى أن يرث أبناؤنا الخراب كما ورثنا نحن الخوف.
كفى أن يُطلب منا الصبر على اغتصاب حقوقنا باسم الدين، أو باسم التاريخ، أو باسم السلالة، أو باسم أي قداسةٍ يصنعها البشر لأنفسهم.
فلا أحد فوق الوطن.
ولا جماعة فوق الشعب.
ولا نسب يمنح صاحبه حقًا إلهيًا في رقاب الناس.
والأرض التي أنجبت هذا الشعب تستحق منه أكثر من الحزن.
تستحق أن نقف لها.
أن نحميها.
أن نعيد إليها صوتها.
أن نمنح أبناءها مدرسةً بدل الخندق، ومصنعًا بدل المتراس، ومستشفى بدل المقبرة، وكتابًا بدل البندقية.
نعم...
هذه الأرض تستحق التضحية.
لكن التضحية ليست عشقًا للموت.
التضحية أن نرفض أن يموت اليمن فينا.
أن نقاتل اليأس قبل أن يقاتلنا.
أن نثور على الخوف قبل أن نثور على السلاح.
أن نموت، إن اضطررنا، دفاعًا عن حق الإنسان في وطنه؛ لا أن نموت من أجل أن يبقى الوطن أسيرًا في يد من يزعمون أنهم وحدهم أصحاب الحق فيه.
فالثورة التي لا تعيد للإنسان إنسانيته ليست ثورة.
والدين الذي يُستخدم لإذلال الإنسان ليس هو الدين الذي جاء رحمةً للعالمين.
والوطن الذي يُطلب من أبنائه أن يتنازلوا عنه ليس وطنًا؛ بل سجنٌ كبير يحمل اسم الوطن.
يا يمن...
ما زال فيك متسعٌ للحياة.
وما زال في شعبك قلبٌ لم يمت.
وما زالت تحت هذا الركام نارٌ لم تنطفئ.
فلا تصدق أن شعبًا طال عليه الليل قد نسي الفجر.
قد يتعب الشعب.
قد يخاف.
قد يصمت.
لكنه لا ينسى إلى الأبد.
وسيأتي اليوم الذي يستعيد فيه اليمني أبسط حقيقةٍ سُرقت منه:
أن هذا الوطن وطنه.
وحين يستعيد الإنسان حقه في وطنه...
لن يستطيع أحد أن يقنعه بعد ذلك بأن الخضوع قدر.
بتصرف
عبث القوم
بارضي لاتسل
عن خنوع الشعب
او موت البطل
لعب الحوثي بالحكم
فلا وطن جاء،
ولا وحي نزل
عتق شبوة
12 سبتمبر2026م.