ما وراء انتكاسات تعز والحديدة.. هل نحن أمام إعادة رسم للمشهد؟

قبل 42 دقيقة


فضل مبارك
بقلم: فضل مبارك
ارشيف الكاتب

ما حدث في جبهات تعز والحديدة، من انتكاسات وتراجع للقوات والتشكيلات المسـ.لحة الموالية للحكومة، وما ترتب عليه من سقوط مناطق حيوية ومهمة، لا يشكل ورقة رابحة لمليشيـ.ات الحوثي في أي مفاوضات قادمة فحسب، بل يمنحها أيضاً عمقاً استـ.راتيجياً وتحصينات دفـ.اعية متقدمة، ويشكل سياجاً مانعاً ومحبطاً لأي خطة عسـ.كرية قادمة للشرعية، التي كانت قد أعلنت أن عينها على صنعاء، وأن المعـ.ركة الحـ.اسمة والفاصلة لاستعادتها باتت قاب قوسين أو أدنى، وفق تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي ووزير الـ.دفاع على وجه الخصوص.

ومن هنا، ينبغي قراءة الموقف ومسبباته وتداعياته ضمن إطار أوسع، يتعلق بأهداف وخطة التحالف، الذي لم يتبقَّ منه عملياً سوى المملكة العربية السعودية، وفي سياق ما يمكن وصفه بصراع النفوذ والاستحواذ على اليمن بين قطبيه الرئيسيين، وما ترتب عليه من مساعٍ لإضعاف أو إنهاء أي نفوذ إماراتي فاعل في المشهد اليمني.

وقبل الخوض في بعض الدلالات والاستنتاجات، واستشراف احتمالات القادم استناداً إلى شواهد سابقة، يتوجب التوقف عند عنوان عريض:

هل كانت هناك خـ.يانة حُبكت خيوطها على الأرض، وأسهمت في هذه الانتكاسة للقـ.وات الموالية للحكومة، ومكّنت الحوثيين من تحقيق هذا التقدم؟

السؤال هنا لا يُطرح باعتباره حكماً نهائياً، وإنما كقراءة تفرضها طبيعة ما حدث، وتسارع الانهيارات، وحجم التناقض بين الخطاب المعلن والواقع الذي شهدته الجـ.بهات.

ولا نزال نتذكر أحداث حضرموت في يناير الماضي بكل تفاصيلها، وكيف انقلبت الآية في غمضة عين؛ من حليف وصديق إلى طرف يُنظر إليه باعتباره عـ.دواً يهدد الأمـ.ن القـ.ومي للمملكة. وقد كشفت تلك الأحداث بوضوح حجم الصراع على النفوذ بين قطبي التحالف آنذاك.

حالة تعز جاءت بصورة مغايرة إلى حد ما من حيث الوسيلة، لكنها ـ وفق هذه القراءة ـ قد تقود إلى ذات الهدف والنتيجة: إضعاف قـ.وات طارق صالح في الساحل الغربي، على غرار ما جرى مع قـ.وات المجلس الانتقالي في الجنوب، وإتاحة المجال لإعادة ترتيب موازين القـ.وة بما يخدم رؤية الطرف الأقوى في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، بدت جماعة الـ.حوثي وكأنها وجدت فرصتها وضالتها؛ فهي، من جهة، تتخلص من قـ.وات تنافسها على النفوذ والسيطرة، ومن جهة أخرى تقدم ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ خدمة للطرف الآخر، يمكن أن تتحول إلى ورقة حسن نية في إطار التفاهمات المتعلقة بالتسوية السياسية.

وبما أن الوصول إلى المخا والساحل الغربي يمر عبر جـ.بهات ومناطق في تعز، فإن سرعة سقوط تلك الجـ.بهات تطرح بدورها أسئلة صعبة حول موقف قيادة محـ.ور تعز، ومدى قدرتها أو رغبتها في مواجهة هذا التقدم، وما إذا كانت هناك تفاهمات أو حسابات سياسية تتجاوز ما هو معلن.

وقد تمكنت مليشـ.يات الحوثي، وفق ما ظهر على الأرض، من عبور مساحات واسعة وطويلة ووعرة، والمرور عبر جـ.بهات متعددة ومناطق كثيرة، وصولاً إلى هدفها، في ظل غياب مقاومة تتناسب مع حجم الهـ.جوم وخطورته.

وكان من عوامل النجاح ـ بحسب هذه القراءة ـ أن طـ.يران التحالف، الذي كان قد تدخل بكثافة في أحداث حضرموت، بدا غائباً أو محدود الفاعلية في المشهد الجديد، الأمر الذي أوجد بيئة ميدانية مختلفة تماماً.

وبذلك يكون قد تحقق في المخا والساحل الغربي هدف آخر من أهداف إعادة ترتيب المشهد العسـ.كري.

أما الهدف الثالث، فيتمثل في قـ.وات العمـ.القة الجنوبية، باعتبارها ـ في نظر خصومها ـ إحدى أبرز أدوات النفـ.وذ الإماراتي في اليمن.

وحتى مع ما قدمته هذه القوات من مواقف وتحركات خلال الفترة الأخيرة لإثبات التزامها بالمسار الجديد، ظل الشك قائماً لدى بعض الأطراف بشأن اتجاه ولائها، خصوصاً في ظل العلاقة التاريخية التي تربط عدداً من قياداتها بأبوظبي.

ومن ثم، جرى الزج بها في جبـ.هات ومناطق لا تعرف تضاريسها جيداً، ولا تمتلك فيها الحاضنة الشعبية التي تتوافر لها في مناطقها الأصلية. وهذا، وفق هذه القراءة، لم يكن مجرد توزيع عسـ.كري للقوات، وإنما قد يكون جزءاً من عملية إنهاك وإضعاف، تمهيداً لتطويعها وإعادة تشكيل دورها.

بعد ذلك تأتي المرحلة التي يمكن وصفها بأنها ما قبل مسك الختام: إعادة هيكلة القـ.وات ودمجها تحت عنوان «المنظور الوطني»، كما يردد الخطاب الرسمي.

غير أن تنفيذ هذه المهمة تعثر في مراحل سابقة، وربما كان السبب أن عملية الدمج وإعادة الهيكلة لا يمكن أن تتم بالسهولة المطلوبة قبل إضعاف مراكز القوة القائمة، وتقليم أظافر التشكيلات المختلفة، وتحويلها من قوى ذات قرار وتأثير ميداني إلى مجرد هياكل وأرقام يمكن إعادة تشكيلها وفق معادلة جديدة.

وعند هذه النقطة، يصبح الحديث عن «الدمج الوطني» مختلفاً تماماً؛ إذ لا يعود المقصود بالضرورة توحيد قوى متكافئة، وإنما إعادة صهر قوى جرى إنهاكها وإضعافها، ثم تطويعها داخل منظومة جديدة وفق ميزان القوة الذي سيُفرض عليها.

وهنا نصل إلى مرحلة مسك الختام.

فبعد تقليم أظافر القوات، وكسر أنيابها، وإفراغها ـ وفق هذه الرؤية ـ من قدر كبير من استقلالية القرار، وإدخالها في «بيت الطاعة» بعد أن تعثرت محاولات الضغط عليها بوسائل مختلفة، بما فيها أوراق الراتب والبصمة، تصبح البيئة أكثر ملاءمة للانتقال إلى المرحلة السياسية الكبرى.

وهي مرحلة تنفيذ التفاهمات وخارطة الطريق، حيث تصبح الطريق أكثر سالكية، بعد إزالة أو تحييد كثير من العقبات التي كانت يمكن أن تقف في طريقها، سواء كانت هذه العقبات في الشمال أو الجنوب، وبمختلف مسمياتها وتشكيلاتها.

وبذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد: لماذا سقطت هذه الجبهة أو تلك؟

بل:

من المستفيد من هذا السقوط؟

ومن الذي يعيد ترتيب خريطة القوة في اليمن؟

وهل ما يجري مجرد انتكاسات عسـ.كرية متفرقة، أم أنه جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل المشهد العسـ.كري والسياسي، تمهيداً للتسوية القادمة؟

هذه الأسئلة، أكثر من تفاصيل المعارك نفسها، هي التي ستكشفها الأيام المقبلة.


فضل مبارك.

11/9/26