في 7 أبريل 2022، لم يكن نقل السلطة مجرد تغيير في رأس السلطة اليمنية، بل كان محاولة لإعادة تركيب المعسكر المناهض للحوثي، على أساس توسيع الشراكة وإشراك القيادات والقوى الفاعلة في إدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
وكان إعلان نقل السلطة واضحًا في تحديد الغاية: مجلس قيادة يتولى إدارة الدولة سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، ويوحّد القوات المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة، وينهي الانقسام المسلح، ويعزز مؤسسات الدولة، ويحافظ على سيادة اليمن ووحدته واستقلال قراره.
كانت الفكرة يومها مفهومة وضرورية: استيعاب القوى التي أصبحت فاعلة على الأرض، وتحويل قوتها إلى رافعة لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، ضمن إطار سياسي واحد، بحيث يتحول تعدد مراكز القوة إلى قوة وطنية تخدم الدولة، وتصبح الشراكة طريقًا إلى توحيد القرار لا عنوانًا لتعدد مراكزه!
لكن بعد ما جرى في حضرموت والمخا والساحل الغربي، لم يعد السؤال الأهم: من المسؤول عن هذه الخسارة أو تلك؟ ولا: أي طرف إقليمي أقرب إلى هذه القوة أو تلك؟ فهذه أسئلة تحتاج إلى أدلة، ولا يجوز أن تتحول الظنون إلى اتهامات.
السؤال الذي ينبغي أن نمتلك شجاعة طرحه هو:
هل ما زالت الصيغة التي أُنشئ بها مجلس القيادة قادرة على أداء الوظيفة التي أُنشئ من أجلها؟
إذا كان المجلس قد نجح في جمع القيادات حول طاولة واحدة، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في جمع القرار؛ وإذا ظلت مراكز القوة العسكرية والأمنية متعددة، ولم يتحقق التكامل الكامل بين القوى الموجودة على الأرض، وبقيت الاستجابة السياسية والعسكرية أبطأ من سرعة التهديدات؛ فإن المشكلة لم تعد مجرد مشكلة أداء عابر، وإنما أصبحت سؤالًا يتعلق ببنية القيادة نفسها.
والاستيعاب الذي كان مقصودًا منه أن يكون طريقًا إلى الدولة لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الدولة.
فالقوى التي جرى استيعابها في صيغة السلطة لم تُستدعَ لتبقى مراكز نفوذ مستقلة داخلها، وإنما لتتحول إمكاناتها العسكرية والسياسية والشعبية إلى أدوات في مشروع وطني واحد.
وهنا تحديدًا تظهر خطورة الترقيع.
فتبديل شخص بآخر، أو إعادة توزيع المقاعد، قد يغيّر الأسماء ولا يغيّر المشكلة. فإذا لم يكن أحد مراكز القوة مقتنعًا بالقرار الوطني أو بالمسار الذي تتخذه الشرعية، فقد تتحول القوة التي يفترض أن تكون سندًا لها إلى عامل إضعاف لها من داخلها أو من خلف خطوطها. وعندها لا يكون الخلل في الأشخاص وحدهم، بل في الطريقة التي تُدار بها الشراكة نفسها.
لذلك، فإن المطلوب ليس إقصاء قوة أو كسر طرف، ولا تجاهل من ظل داعمًا للشرعية والدولة، وفي مقدمة ذلك المملكة العربية السعودية، وإنما إعادة تعريف الشراكة على أساس الدولة؛ فالدعم الإقليمي الذي يعزز مؤسساتها وقرارها الوطني ينبغي أن يُبنى عليه، أما أي نفوذ يتحول إلى مراكز قوة موازية للدولة فيجب أن يُعاد ضبطه ضمن مؤسساتها.
لا نريد شراكة بين مراكز نفوذ تتقاسم السلطة، بل شراكة وطنية تتقاسم المسؤولية عن استعادة الدولة.
وليس من مصلحة السعودية، وهي الطرف الأبرز في دعم الشرعية واستعادة الدولة، أن يبقى اليمن ساحة لتباين المواقف الإقليمية أو لتعدد مراكز النفوذ؛ كما أن المصلحة اليمنية والإقليمية تقتضي أن ينتهي أي نفوذ أو ترتيبات خارج مؤسسات الدولة إلى دعمها وتعزيز قرارها الوطني، لا إلى إنشاء قوى موازية له.
والمصلحة المشتركة، في النهاية، هي يمن عربي مستقر، مستقل القرار، قادر على حماية حدوده وموانئه وباب المندب، لا يمن تتسع فيه مساحات الانقسام بما يخدم الحوثي وإيران.
لقد تغيرت الظروف منذ 7 أبريل 2022، وتغيرت التحالفات وموازين القوى والتهديدات والأولويات. فالإمارات العربية المتحدة كانت يومها جزءًا من التحالف الداعم للشرعية، أما اليوم فقد تغير المشهد؛ فبعد أحداث حضرموت طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي بخروج القوات الإماراتية من اليمن، وأعلنت أبوظبي إنهاء وجودها العسكري وسحب ما تبقى من قواتها. وبذلك لم تعد البيئة السياسية والعسكرية التي أُنشئ فيها مجلس القيادة هي البيئة نفسها التي يعمل فيها اليوم.
ولذلك فإن مراجعة صيغة مجلس القيادة الرئاسي لا ينبغي أن تُفهم بوصفها انقلابًا على إعلان نقل السلطة، وإنما باعتبارها مراجعة للوسيلة حتى تظل الغاية قائمة.
فإعلان نقل السلطة الذي أصدره الرئيس عبدربه منصور هادي ـ رحمه الله ـ لم يجعل شكل مجلس القيادة غاية في ذاته؛ وإنما كانت الغاية استكمال المرحلة الانتقالية، وإنهاء الانقلاب، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار العسكري والأمني، والوصول إلى سلام وحل سياسي شامل يحفظ اليمن ومصالحه.
ومن هنا يمكن التفكير في صيغة أكثر وضوحًا وفاعلية: رئيس قيادة ونائبان بصلاحيات ومسؤوليات محددة، وحكومة حرب ذات تفويض واضح لإدارة المعركة والاقتصاد والخدمات، وقيادة عسكرية وطنية واحدة، وآلية مؤسسية تضع كل قوة وسلاح وقرار عسكري تحت سلطة الدولة.
وهذا لا يعني إلغاء التعدد السياسي أو الاجتماعي، ولا إلغاء دور القوى الموجودة على الأرض؛ بل يعني أن يكون تعدد القوى داخل الدولة، لا تعدد الدول داخل الدولة.
كما أن إصلاح مجلس القيادة وحده لن يكون كافيًا إذا بقيت الأدوات التي يفترض أن تنفذ القرار موزعة بين أكثر من مركز. فالإصلاح الحقيقي يجب أن يشمل القرار، وسلسلة القيادة، والموارد، والمسؤولية، وآليات المحاسبة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن جمع الأشخاص لا يكفي لجمع القرار، وأن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي لتغيير المسار.
والمشكلة لم تعد فقط فيمن يجلس على الطاولة، وإنما في الطاولة نفسها: هل صُممت لتوزيع النفوذ، أم لصناعة قرار يستعيد الدولة؟
إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى إعادة إنتاج توازنات الأمس، بقدر ما يحتاج إلى قيادة قادرة على صناعة توازنات النصر في الغد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يبقى ومن يخرج؟
بل:
كيف نعيد بناء صيغة قيادة تجعل كل من فيها أقوى بالدولة، لا أقوى منها؟
فإذا كان 7 أبريل قد مثّل لحظة انتقال السلطة وجمع القوى، فقد تكون اللحظة الراهنة بحاجة إلى خطوة تالية: إعادة تأسيس السلطة على أساس استعادة الدولة.
وهذه ليست دعوة إلى هدم ما بُني، بل إلى إصلاحه قبل أن يصبح إصلاحه أصعب.
المطلوب ليس ترقيع الصيغة، بل إصلاحها؛ وليس إعادة توزيع المقاعد، بل إعادة بناء القرار.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى مجلس يمثل موازين القوى، وإنما إلى قيادة تستطيع أن توحّد هذه القوى تحت قرار وطني واحد، وتحولها من مراكز نفوذ إلى أدوات دولة، ومن شركاء في السلطة إلى شركاء في استعادة الجمهورية.