جوهرة حسن.. اعتراف عالمي وإلزام وطني

قبل 27 دقيقة


نبيل غالب
بقلم: نبيل غالب
ارشيف الكاتب

حين يختار منتدى الأغذية العالمي اسم امرأة يمنية من محافظة عدن - منطقة بئر فضل، ضمن قائمة "100 امرأة ملهمة حول العالم في مجال نظم الأغذية والزراعة"، فذلك لا يمكن اختزاله في مجرد تكريم فردي. هو اعتراف دولي بأن في اليمن، رغم كل الظروف، ما تزال هناك قصص صمود تتحول إلى نماذج تنموية. وما حدث مع المزارعة "جوهرة حسن" ليس استثناءً، بل هو ثمرة مسار طويل من العمل الميداني الصامت الذي بدأ من الأرض ووصل إلى المحافل الدولية.


اختيار المزارعة "جوهرة حسن" لم يأتِ من فراغ. فالمذكرة التي رفعتها إلى معالي وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء الركن سالم السقطري، لم تكن سيرة ذاتية بقدر ما كانت وثيقة إنجاز. تحدثت عن امرأة حولت الحقل إلى مدرسة، والمنتج المحلي إلى علامة، والمرأة الريفية من متلقية للدعم إلى صانعة قرار.


انطلقت عام 2017 من أرض قاحلة في بئر فضل بعدن رحلة "جوهرة"، التي حولت نحو 29 ألف متر مربع من الصحراء إلى مزرعة منتجة. بدأت بزراعة السمسم واستخراج زيته، ثم وسعت محاصيلها وبنت نموذجاً عملياً يربط بين الزراعة التقليدية وأساليب الإنتاج المستدام، وفتحت منافذ تسويقية لمنتجات كانت حبيسة القرى.


ورغم شح المياه ومحاولات البسط على أرضها واصلت مشروعها، ووفرت فرص عمل لـ 18 امرأة نازحة من محافظة الحديدة ودربت عشرات النساء ليصبحن منتجات ومستقلات اقتصادياً، لتتجاوز تجربتها حدود المزرعة وتتحول إلى لبنة في مشروع أكبر اسمه الأمن الغذائي ونموذجاً ملهماً للصمود والإنتاج.


وهنا يبرز الدور الذي لعبته وزارة الزراعة والري والثروة السمكية وفق رؤية معالي الوزير السقطري، ليس كجهة راعية فقط، بل كشريك فاعل. فترشيح الوزارة للمزارعة "جوهرة حسن" إحدى النساء النموذجيات ضمن 600 مرشحة من 131 دولة هو بحد ذاته قرار استراتيجي، وإعلان أن الوزارة تؤمن بأن تمكين المرأة الريفية والساحلية ليس شعاراً، بل هو مدخل حقيقي لزيادة الإنتاج وتقليل الفجوة الغذائية. فـ 60٪ من سكان اليمن يقطنون في الأرياف، ويعتمدون بشكل أساسي على الأنشطة الزراعية وتربية الماشية.


وعليه فإن تشجيع المشاريع التنموية الزراعية والريفية هو في جوهره دعم مباشر للمرأة الريفية كمزارعة ومربية ثروة حيوانية ومنتجة. وهذا الاستثمار لا يوقف الهجرة الداخلية إلى المدن فحسب، بل يخفف الضغط على الغذاء والخدمات والتعليم والصحة والمياه، ويسهم في استقرار الريف وبقاء الناس منتجين، وهو ما ينعكس إيجاباً على بقية الأوضاع في الوطن.


وقد تجلى هذا الإيمان في اللقاء الذي حرص الوزير السقطري على عقده مع المزارعة "جوهرة" في العاصمة عدن. لم يكن لقاء بروتوكولياً، بل كان اعترافاً رسمياً بأن الدولة ترى وتثمن. أشاد الوزير بالإنجاز، وأكد أن هذا الاختيار العالمي هو انعكاس مباشر لما تتمتع به المرأة اليمنية من كفاءة وقدرة على العطاء، وأنه مسؤولية جديدة على عاتق الوزارة لمضاعفة برامج التمويل والتدريب وتسهيل وصول المنتجات النسائية إلى الأسواق.


اللافت في تجربة "جوهرة" أنها كسرت الصورة النمطية عن "المزارعة". فهي لم تكتفِ بالزراعة، بل دخلت في التصنيع الغذائي، وفي الابتكار، وفي بناء شبكة من النساء تعمل كخلية نحل إنتاجية. وهذا بالضبط ما تحتاجه المرحلة: نماذج قابلة للتكرار. فالوزارة حين تدعم مثل هذه المبادرات فإنها لا تدعم شخصاً، بل تستثمر في فكرة. فكرة تقول إن التنمية المستدامة لن تأتي من المشاريع الكبرى وحدها، بل من آلاف المبادرات الصغيرة التي تبدأ من بيت ريفي وتنتهي بسوق محلي ثم بسوق إقليمي.


إن حضور الوزير السقطري شخصياً، وتأكيده على أن تمكين المرأة ركيزة في سياسات الوزارة، يعطي مؤشراً مهماً على أن معركة الأمن الغذائي لا تُخاض فقط بالسياسات الكبرى والاستيراد، بل تُخاض أيضاً بتمكين الإنسان الذي يزرع ويصنع ويبتكر. ودور الوزارة هنا هو أن تتحول من داعم إلى مُمكِناً، من جهة تمنح التصاريح إلى جهة تفتح الأسواق وتوفر التمويل وتحمي المنتج المحلي.


قصة المزارعة "جوهرة" هي باختصار مرآة. مرآة تعكس ما يمكن أن تفعله إرادة فردية إذا وجدت من يصغي إليها في الدولة. ومرآة تعكس أيضاً حجم المسؤولية الملقاة على عاتق وزارة الزراعة لتوسيع دائرة النجاح هذه، حتى لا تبقى "جوهرة" حالة فردية، بل تصبح عنواناً لمرحلة جديدة يكون فيها للمزارعة اليمنية حضور في القرار، وفي الإنتاج، وفي المستقبل.


نبارك للمزارعة "جوهرة" حسن تكريمها المرتقب في شهر أكتوبر القادم بالعاصمة الإيطالية روما، ضمن فعاليات منتدى منظمة الأغذية العالمية، بحضور معالي الوزير السقطري، تقديراً لما حققته من إنجازات في ظروف استثنائية، وفي زمن الحرب التي يشهدها وطننا الحبيب.


للتأمل:

"إذا كرّم العالم مزارعة يمنية واحدة.. فمتى نُنتج ألف جوهرة؟"