في التاسع من سبتمبر 2026، سقطت مدينة المخا الساحلية في يد الحوثيين. لقد مثّل هذا الحدث تحولاً مفصلياً في صراع أوسع يتجاوز اليمن إلى موازين القوى الإقليمية بأكملها. فالملف الميداني يشير إلى أن المخا لا تبعد سوى خمسة وسبعين كيلومتراً عن مضيق باب المندب، وميناؤها يطل مباشرة على خط الملاحة الدولي الذي يربط المح المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. وخلال أسبوع واحد، امتدت سيطرة الحوثيين من الحديدة جنوباً إلى المخا ثم إلى بلدة ذُباب الواقعة على المضيق نفسه، وجزيرة ميون التي تقسم ممراته الملاحية. مائة كيلومتر في بعض المحاور خلال أيام، بوتيرة تتجاوز نمط حرب الاستنزاف المعتاد لتشكل إعادة رسم منهجية لخطوط السيطرة على الأرض. ثم جاء الإعلان السياسي الذي تلا التقدم العسكري: "الملاحة في البحر الأحمر آمنة لجميع السفن باستثناء السفن السعودية". عبارة واحدة أعادت تعريف قواعد الاشتباك في أحد أهم ممرات التجارة العالمية.
ما يجري في المخا يتعدى الحدود اليمنية الداخلية ليفتح فضاءً جديداً من صراع نفوذ إقليمي تُدفع فيه الرياض إلى الزاوية عبر شبكة ضغط تتقاطع فيها أوراق طهران وأبوظبي وواشنطن. ولتفكيك هذه اللوحة، يتطلب المشهد النفاذ إلى ما يجري خلف الكواليس حيث تُنسج التفاهمات وتُعقد الصفقات بعيداً عن العدسات.
في العشرين من أغسطس 2026، أي قبل ثلاثة أسابيع من سقوط المخا، كشفت شبكة «شيبا إنتليجنس» عن اجتماع سري في أبوظبي جمع مسؤولين أمنيين حوثيين بضباط استخبارات إماراتيين. ركز العرض الإماراتي على تقليص التنسيق العسكري للحوثيين مع طهران ووقف التصعيد المباشر، مقابل إدماج الجماعة في إطار إقليمي جديد بالتنسيق مع المجلس الانتقالي الجنوبي بشأن مستقبل الحكم والترتيبات السياسية والأمنية في اليمن، مع تقديم أشكال مختلفة من الدعم بينها تقديم تدفقات مالية. لم يقدم الحوثيون موافقة أو رفضاً نهائياً، بل أبلغوا الجانب الإماراتي أن المقترحات ستخضع للدراسة. وتأتي هذه المحاولة في إطار مسعى إماراتي لإعادة تموضع نفوذها في اليمن عبر قنوات سياسية وأمنية أكثر مرونة، بعد خروجها من المشهد العسكري المباشر. وتكتمل الصورة بالنظر إلى أن شبكات تجارية ومالية تعمل من داخل الإمارات أو عبر مناطقها الحرة كانت ولا تزال تتداخل مع تمويل شبكات حوثية، مع إدراج كيانات مسجلة في دبي في قوائم العقوبات الأميركية لدورها في إدارة أسطول الظل لنقل الوقود الإيراني إلى موانئ يسيطر عليها الحوثيون. هذا التقاطع بين الوساطة المعلنة والتمويل الموازي يمثل جوهر التحرك؛ إذ تسعى أبوظبي لترسيخ موقعها في الجنوب اليمني وفي أي ترتيبة إقليمية جديدة عبر إدارة علاقة معقدة مع كافة الأطراف.
وفي اليوم نفسه الذي سقطت فيه المخا، التقى الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد على هامش قمة دولية، في أعلى مستوى تواصل سياسي بين البلدين منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط. توقيت اللقاء يأتي مكثفاً، خاصة في ظل حديث عن تفاهمات سرية بين وفدي الإمارات وإيران تتعلق بالشأن اليمني وتأمين المراكز الاقتصادية في دبي وأبوظبي. تتوزع الأدوار هنا بين رغبة طهران في امتلاك ورقة ضغط على السعودية دون التورط في مواجهة شاملة، وسعي أبوظبي لتأمين مصالحها التجارية بعيداً عن خطوط النار. وتأتي التطورات الميدانية في المخا كحلقة في سلسلة تفاهمات أوسع تتبلور خلف الكواليس.
وعلى الضفة الأخرى، تشهد العلاقة السعودية-الإماراتية تحولاً من التحالف الاستراتيجي نحو شرخ عميق يتسع مع الوقت. في يناير 2026، أعلن وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان عن خلاف مع الإمارات بشأن اليمن، عقب اتهامات سعودية لأبوظبي بدفع قوات المجلس الانتقالي لتنفيذ عمليات عسكرية في حضرموت والمهرة على الحدود الجنوبية للمملكة. وردت السعودية بضربة على المكلا، وأعلنت الإمارات سحب ما تبقى من وحداتها من اليمن. ووفق تقرير لوكالة بلومبيرغ، بدأت الإمارات بسحب قواتها بالكامل وسلمت شركاتها العاملة هناك محطات الطاقة الشمسية لحكومة عدن. وتتجسد خطورة هذا الانسحاب في تحويل النفوذ من القنوات العسكرية إلى المساحات السياسية والاقتصادية، وهو ما يتجلى في اللقاءات السرية مع الحوثيين والتواصل المباشر مع طهران.
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، تتعرض السعودية لضغط متعدد الأوجه يتجاوز الجبهة اليمنية. فالحوثيون أعلنوا فرض حصار على الملاحة السعودية في البحر الأحمر، ودخلوا مرحلة جديدة من التصعيد عبر استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، واستهداف سفينة إنزال عسكرية ومركبات مرافقة لها قبالة سواحل المخا بصواريخ باليستية. وفي الحادي عشر من سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الطاقة السعودية اتخاذ إجراءات وقائية طارئة تضمنت الإغلاق المؤقت لخط الأنابيب «الشرق-الغرب» الممتد على طول 1200 كيلومتر. وجاء هذا القرار بعد هجمات طالت منظومة الخط في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، لينقطع بذلك الشريان البري الأخير الذي يربط إنتاج الشرقية بموانئ ينبع على البحر الأحمر، مما أدى إلى شل حركة التصدير غرباً بالتزامن مع الحصار المائي في باب المندب وتكدس الناقلات في الخليج العربي. وبحسب بيانات تتبع الناقلات، انخفضت صادرات السعودية النفطية في أغسطس 2026 إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في 2017، بينما ارتفعت أسعار خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل مع توقعات بوصولها إلى 110 دولارات. وتترجم هذه الخسائر إلى ضغط استراتيجي مباشر على الرياض عبر تهديد خطوط الطاقة، وارتفاع كلفة التأمين، وإعادة توجيه تجارة النفط العالمية، مما يرفع كلفة الثبات على الموقف السياسي ويدفع باتجاه خيارات تخدم مصالح أطراف أخرى.
وفي السياق نفسه، تتداخل ورقة الاتفاقيات الإبراهيمية لزيادة حجم الضغط. في الثالث والعشرين من يوليو 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتفاق النووي السعودي-الأمريكي مرتبط بانضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية. إلا أن تحليل النص الكامل الموقّع الممتد على 72 صفحة—والذي حصلت عليه BBC الفارسية وأُرسل إلى الكونغرس—أظهر أن النص يخلوا من أي بند يفرض التزاماً قانونياً على السعودية بالانضمام إلى الاتفاقيات أو الاعتراف إسرائيل. هذا التضارب بين الخطاب المعلن والنص المكتوب يوضح أن الضغط الأمريكي يتحرك في مساحة الممارسة العملية عبر أوراق تفاوض مفتوحة. وتتعامل الرياض مع هذا المسار بربط أي خطوة تجاه إسرائيل بمسار محدد نحو إقامة دولة فلسطينية، مما يطرح التساؤل حول مدى قدرتها على الصمود في ظل تقاطع الحصار الملاحي والضغط الاقتصادي والتباين مع حليف سابق.
خريطة التحالفات الإقليمية تزيد من تعقيد المشهد؛ فمصر تؤكد أن اضطراب باب المندب يمس اقتصادها المباشر لكنها تتريث في اتخاذ أي تموضع عسكري بانتظار اتضاح موازين القوى. وتتزايد الضغوط على إسلام آباد للانسحاب من التحالف الثلاثي الذي أعدته السعودية كخيار بديل، عبر إقناعها بصعوبة تحقيق مكاسب ميدانية. بينما تبقي تركيا ملتزمة بموقفها المشروط بطلب سعودي رسمي، فضلاً عن تحركات داخل دول الخليج لعقد اجتماعات مع إيران لمناقشة الترتيبات في مضيق هرمز، مما يمنح طهران مساحة أكبر لإدارة ورقة المضائق. وفي هذا السياق، يظل اليمن المنطقة الأكثر حساسية، حيث يؤدي تثبيت سلطات الأمر الواقع إلى إعادة تشكيل الموازين في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
التقدم الحوثي السريع من الحديدة إلى المخا ثم ذُباب يشكل إعادة رسم لخطوط السيطرة على الأرض. ويرى اللواء إبراهيم عثمان هلال أن هذه التحركات تؤسس لتقسيم واقعي لليمن. وكان المجلس الانتقالي الجنوبي قد أعلن في يناير 2026 خطة زمنية يمتد مداها لعامين نحو الاستقلال، مما يضع اليمن أمام احتمالات الانقسام بحلول يناير 2028. وفي المقابل، بدأت السعودية بتنفيذ خطة تشمل إعادة هيكلة المجلس الرئاسي وتقليص عدد أعضائه، مع طرح سيناريو تحويل حضرموت إلى إقليم كامل الصلاحيات ضمن دولة اتحادية، أو الذهاب نحو إعلان كيان حضرمي مستقل في حال الذهاب نحو الخيارات الصفدية. وتتجه هذه المعطيات نحو تكريس واقع الانقسام بغطاء دولي.
ويبقى السيناريو الثاني حاضراً عبر المقايضة الإقليمية؛ ففي حال نجاح الوساطة الإماراتية في كبح التصعيد العسكري للحوثيين، فإن المشهد يتجه نحو تشكيل شمال يمني تحت إدارة الحوثيين وجنوب بقيادة المجلس الانتقالي. ويحقق هذا الخيار مصالح أبوظبي وطهران معاً عبر توسيع نفوذ الأولى جنوباً وتحقيق الثانية مكاسب استراتيجية. بينما يتجلى السيناريو الثالث في المواجهة الشاملة عبر تحول تقييد الملاحة إلى حصار كامل على المملكة، بالتزامن مع استهداف المنشآت النفطية. وتأتي خطوة السعودية بإيقاف خط الأنابيب احترازياً عقب هجمات طالت خميس مشيط وأبها وجازان، وأسفرت عن إصابة 73 شخصاً، لتؤكد خطورة هذا المسار.
إن ما شهدته المخا يمثل تقاطع مصالح بين أطراف متعددة الأجندات؛ فإيران تسعى لامتلاك أوراق ضغط، والإمارات تبحث عن موضع قدم في الجنوب والترتيبات الإقليمية، والحوثيون يعملون على فرض أمر واقع، واشنطن تدفع نحو الاتفاقيات الإبراهيمية وتتجنب الانخراط العسكري، بينما تجد السعودية نفسها في مواجهة ضغوط عسكرية وسياسية متزامنة. لقد تحولت المعركة من جبهات عسكرية إلى إعادة تشكيل شاملة لموازين القوى، لتصبح إدارة أمن الملاحة أداة رئيسية لإعادة هندسة المواقف السياسية، وهو ما يضع المنطقة أمام ترتيبات جديدة يتحدد معها من سيدفع الثمن أولاً.