حين تعجز الدولة عن أن تصبح فكرة

قبل 57 دقيقة


مجيب الرحمن الوصابي
بقلم: مجيب الرحمن الوصابي
ارشيف الكاتب

اعترفُ أنني كنتُ، مع الفارين من معسكر اليرموك شمال دار سعد، في حرب صيف 1994. ولم يكن السؤال يُطرح يومها؛ وإلا لاختلف الموقف، وأخذتنا الحمية في الدفاع عن عرض النبي ﷺ.


"ما موقفك من عائشة أم المؤمنين؟"


يقف الأسير في وجه السلاح متجردا من كبريائه، لا ليُسأل عن مشروعه السياسي، ولا عن رؤيته للدولة، ولا عن برنامجه لبناء المستقبل، بل ليُواجه سؤالا عقائديا يُراد له أن يختزل فيه كل شيء.


في تلك اللحظة، يتحول الصراع من السياسة إلى العقيدة، ومن سؤال: كيف نريد أن نحكم؟ إلى سؤال: من نحن، ومن أنت؟


وهنا تبدأ المأساة.


فحين تدخل المظلومية العابرة للقرون إلى ميدان الحرب، لا تعود مجرد ذاكرة تاريخية، بل تتحول إلى وقود حاضر؛ يصبح الماضي حاضرا في الخندق، وتصبح الحكاية القديمة أكثر تأثيرا من مصلحة الإنسان الذي يقف اليوم أمام بندقيته.


وهذا، في جوهره، أحد أخطر أسرار الحروب الطويلة: أن الإنسان لا يقاتل دائما من أجل برنامج سياسي واضح، بل قد يقاتل من أجل معنى يؤمن به، أو هوية يخشى فقدانها، أو مظلومية يعتقد أن التاريخ لم ينصفها.


ولذلك فإن النصر في الحروب لا يكون دائما لمن يملك السلاح الأكثر، وإنما قد يكون لمن يملك الفكرة الأكثر قدرة على تحويل الخوف إلى يقين، واليأس إلى معنى، والموت إلى تضحية.


وهنا تكمن مأساة اليمن اليوم.


فالسؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا نقاتل الحوثي؟


بل: لماذا لا تكفي الأسباب التي نقاتل من أجلها لإنتاج مقاتل يؤمن بها بالقدر نفسه؟


إن مواجهة المشروع الحوثي، بالنسبة إلى قطاع واسع من اليمنيين، ليست مواجهة عسكرية فحسب. إنها مواجهة مع تصوّر للسلطة والحق والهوية، ومع مرجعية تمنح جماعة بعينها مكانة سياسية ودينية فوق مبدأ المواطنة المتساوية. وهي، في الوقت نفسه، مواجهة مع اقتصاد حرب يمد الصراع بأسباب البقاء، ومع واقع اجتماعي يدفع ثمنه الفقراء، فيما تتآكل الطبقة الوسطى وتتراجع فكرة الدولة أمام منطق الغلبة.


لكن المشكلة لا تنتهي هنا.


السؤال الأكثر إيلاما هو: لماذا يستطيع الحوثي أن يحوّل عقيدته إلى قوة ميدانية، بينما يعجز خصومه عن تحويل أفكارهم وشعاراتهم إلى يقين عملي؟


الإجابة، في جانب مهم منها، تكمن في الفرق بين اليقين والبلاغة.


الخطاب العقائدي لا يحتاج دائما إلى أن يكون مقنعا للعقل كي يكون فعالا في الميدان. يكفي أحيانا أن يمنح صاحبه تفسيرا متماسكا للعالم، وأن يحدد له العدو والصديق، وأن يَعِده بمعنى يتجاوز حياته الفردية. عندها يصبح الموت، في وعي المقاتل المؤمن بهذا الخطاب، ثمنا محتملا لقضية أكبر من الذات.


وهذه هي القوة التي فهم الحوثي كيفية استثمارها.


ليس المقصود أن كل مقاتل حوثي تحركه الدوافع نفسها، ولا أن كل من يقاتل في صفوفه أسير عقيدة واحدة؛ لكن الخطاب العقائدي، حين يقترن بالتنظيم والانضباط والشعور بالمظلومية، يستطيع أن ينتج قدرا مرتفعا من الاستعداد للتضحية، وهو ما لا تنتجه البيانات السياسية وحدها.


وفي الجهة المقابلة، فقد كثير من اليمنيين ثقتهم في الكلمات الكبيرة: الدولة، والحرية، والعدالة، والحداثة، والجنوب، والمواطنة.


ليس لأن هذه القيم فقدت معناها، وإنما لأن بعض من رفعها لم يعد يمثلها في سلوكه.


حين يرى المواطن مسؤولا أو قائدا سياسيا يحضّه ويشجعه على الصمود بينما يعيش هو وأسرته بعيدا عن الحرب، وحين يرى صاحب الخطاب الوطني محصنا من تبعات الكارثة التي يدعو الآخرين إلى تحملها، تصبح الكلمات نفسها موضع شك.


وهنا تقع الكارثة الأكبر: حين تنفصل الفكرة عن صاحبها، يفقد الناس ثقتهم بالفكرة لا بصاحبها فقط.


لا يعود المواطن يرى في (الوطن) مشروعا يستحق التضحية، إذا كان الذين يتحدثون باسمه يتعاملون معه بوصفه وظيفة أو نفوذا أو مصدرا للثراء.


ولا تعود (الدولة) حلما مقنعا، إذا كانت الدولة في تجربة الناس سلطة غائبة، أو راتب منقطع، أو مؤسسة عاجزة، أو مسؤول لا يظهر إلا حين يريد أصواتهم أو دماءهم.


ومن هنا تنشأ الفجوة التي ندفع ثمنها اليوم:


طرف يملك خطابا قادرا على صناعة اليقين، وخصوم يملكون خطابا لا يستطيعون دائما تجسيده في حياتهم.


غير أن اختزال اليمن في هذا الطرفين وحدهما سيكون ظلما للحقيقة.


ففي هذا البلد مقاتلون يقاتلون بلا أيديولوجيا، ومواطنون يدافعون عن بلدهم دون أن يبحثوا عن بطولة، ونخب وقادة دفعت أثمانا حقيقية، كما ثمة نخب جعلت من الحرب سوقا للمناصب والمصالح. ولذلك فإن المشكلة ليست في غياب الشجاعة من اليمنيين، بقدر ما هي في غياب المعنى السياسي القادر على جمع هذه الشجاعة داخل مشروع وطني قابل للتصديق.


وهنا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا أكثر من سؤال: لماذا لا يموت الناس من أجل شعاراتنا؟


السؤال هو:


لماذا لم نستطع أن نجعل الدولة نفسها فكرة تستحق التضحية؟


فالمواطنة المتساوية فكرة، والعدالة فكرة، والدولة المدنية فكرة، والحرية فكرة، لكن الأفكار لا تصبح قوة تاريخية لمجرد أن نكتبها في البيانات أو نرددها في المنابر.


الفكرة تصبح قوة حين تتحول إلى تجربة يعيشها الإنسان، وإلى عدالة يلمسها، وإلى دولة تحميه، وإلى مستقبل يستطيع أن يتخيله لأبنائه.


أما أن نطلب من الجائع أن يموت دفاعا عن دولة لا يراها، ومن المهمش أن يدافع عن عدالة لم تصله، ومن المواطن أن يضحي من أجل نخبة لا تضحي معه، ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا انتصر الخطاب العقائدي؟


فهذا ليس لغزا.


إن أخطر ما فعله الحوثي ليس أنه قدم لليمنيين فكرة أفضل؛ وإنما أنه أدرك، قبل كثير من خصومه، أن الإنسان لا يعيش بالبرنامج السياسي وحده، بل يحتاج إلى معنى يؤمن به.


وإذا أردنا هزيمة العقيدة بالسلاح وحده، فقد نهزم مقاتلا ونترك الفكرة.


أما إذا أردنا هزيمتها سياسيا وتاريخيا، فعلينا أن نبني في المقابل فكرة وطنية أكثر عدلا وصدقا وقدرة على الإقناع؛ فكرة لا تطلب من اليمني أن يموت من أجلها قبل أن تمنحه سببا حقيقيا لكي يعيش من أجلها.


ذلك هو الامتحان الحقيقي.


فاليمن لا يُستنزف فقط بين بندقية وبندقية، وإنّما بين عقيدة تعرف كيف تمنح أتباعها معنى، ودولة لم تنجح بعد في منح مواطنيها معنى يستحق الدفاع عنه.


وفي المسافة بين الاثنين، يُذبح الوطن




مجيب الرحمن الوصابي