الجنوب العربي: دمٌ دُفع، ووعدٌ بيع، وصفقةٌ تُحاك

قبل ساعة


صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
ارشيف الكاتب

لم يعد المجال واسعًا للمجاملة أو التغطية على الحقائق؛ فالجنوب العربي اليوم يعيش لحظة كشفٍ كبرى. ما جرى ويجري ليس مجرد خلاف سياسي، ولا أزمة تحالف عابرة، بل صفقةٌ كبرى تُحاك على حساب دماء الجنوبيين ومستقبلهم. ومن حق كل جنوبي، بل ومن واجب كل صاحب ضمير، أن يقولها بصراحة: الجنوب العربي تعرّض لغدرٍ مركّب، تحالفت فيه مصالح متضاربة على شيء واحد فقط: إبقاء الجنوب ساحة مفتوحة للنفوذ والثروات، لا دولةً مستقلة ذات سيادة.


منذ البداية، وُعد الجنوبيون بالاستقلال واستعادة الدولة الجنوبية وعاصمتها عدن، على حدود ما قبل عام 1990. وُعدوا بذلك مقابل التخلص من الحوثي وتحرير صنعاء. فصدّقوا، وقاتلوا، وقدّموا آلاف الشهداء، وحرّروا الشريط الساحلي، ووصلوا إلى الحديدة، مع أن تحرير الشمال ليس معركتهم الأصلية. فعلوا ذلك وهم يحسبون أن الوفاء سيكون مقابل الوفاء، وأن الدم الذي سال سيكتب على خريطة الدولة القادمة.


لكن المفارقة الكبرى أن من حرّر الجنوب فعليًا كانت الإمارات، التي دعمت وبنَت جيشًا جنوبيًا وأنجزت المهمة في وقت وجيز. أما السعودية، التي كان يفترض أن تتولى تحرير الشمال، فقد أخفقت، ثم عادت لتطلب من الإمارات إقناع الجنوبيين بالمشاركة في معركة ليست معركتهم. وبعد أن تقدّم الجنوبيون ووصلوا مشارف صنعاء، فوجئوا في أغسطس 2019 بغزو مليشيات الإخوان لمحافظات شبوة وأبين ومحاولة السيطرة على عدن. فشل الغزو بفضل صمود أبناء الجنوب ودعم الطيران الإماراتي، لكن المفاجأة الأكبر كانت أن الإخوان لم يحاسبوا على خيانتهم، بل لُبّيت مطالبهم بإخراج الإمارات من التحالف. وبعد خروج الإمارات، سُلّمت المناطق الشمالية التي حُرّرت من الحوثي إلى الحوثي نفسه، تسليمًا واستلامًا، دون طلقة نار.


ثم جاء اتفاق الرياض في نوفمبر 2019 بضمانة سعودية، ونصّ على إخراج القوات الشمالية من حضرموت والمهرة ونقلها إلى مأرب، ليحلّ محلها الجيش الجنوبي. لكن الاتفاق ظل حبرًا على ورق أكثر من ست سنوات. وعندما نفّذت القوات الجنوبية ما كان يفترض أن يُنفّذ في 2019، قصف الطيران السعودي تلك القوات، وقتل المئات من الجنود، وأخرجها بالقوة من حضرموت والمهرة. وهنا يتكشف السؤال المركزي: لماذا كل هذا الغضب من وجود قوات جنوبية في أرض جنوبية؟


الجواب واضح في نظر كثيرين: لأن حضرموت والمهرة وشبوة ليست مجرد جغرافيا، بل ثروة نفطية وغازية، وممرات استراتيجية، وأنابيب تصدير محتملة. السعودية لا تريد جنوبًا موحّدًا قويًا، بل تريد تقسيمه إلى إقليمين: إقليم يضم حضرموت وشبوة والمهرة يكون تحت نفوذها وثرواته لها، وإقليم آخر يكون تحت نفوذ الإمارات. ولهذا، حين سيطرت القوات الجنوبية على حضرموت والمهرة، شعرت الرياض أنها فقدت ورقة حاسمة، فافتعلت الأزمة مع الإمارات، وطالبت برحيلها، لا حبًا في سيادة الجنوب، بل لتقطع الدعم المالي والعسكري عن الجيش الجنوبي، وتُخضعه لقيادتها، وتُفرغ اتفاق الرياض من مضمونه.


أما إسقاط عيدروس الزبيدي ومحاولة حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، فليس إلا حلقة في المخطط نفسه. الزبيدي يريد استقلالًا كاملًا واستعادة دولة الجنوب وعاصمتها عدن، وهذا يتعارض مع مشروع التقسيم والنفوذ. ولهذا دُفع نحو حوار جنوبي–جنوبي في الرياض، ليس لحل القضية الجنوبية، بل لتفريخ المجلس الانتقالي إلى كيانات متعددة، وإظهار الجنوبيين وكأنهم مختلفون، ثم فرض حلٍّ يخدم الأجندة السعودية في حضرموت وشبوة والمهرة.


وفي العمق، هناك اتفاق سري بين السعودية والحوثي في مسقط، منح الحوثي 80% من عائدات تصدير النفط. وعندما سيطرت القوات الجنوبية على حضرموت والمهرة، شعر الحوثي بأن مصالحه في خطر، فهدّد بضرب العمق السعودي وأرامكو. عندها غدرت السعودية بالإمارات والجنوب، وضربت اتفاق الرياض عرض الحائط، واستبدلته بمنطق التسويات الإقليمية: شمالٌ يُقسّم بين الحوثي والإخوان، وجنوبٌ يُقسّم بين تيارين، واحد موالٍ للإمارات وآخر موالٍ للسعودية.


هذه ليست قراءة عاطفية، بل قراءة سياسية لما جرى. والجنوب العربي ليس ورقة تفاوض، ولا ساحة لتجريب الأقاليم والولاءات. من راهن على الخارج خسر، ومن قدّم دمه ثمناً لوعدٍ لم يُكتب له، عليه اليوم أن ينتزع حقه بيده، لا أن ينتظر وفاءً من عواصم جعلت مصالحها فوق كل شيء.


الحقيقة يجب أن تُقال: ما حدث للجنوب ليس مجرد خلاف على صلاحيات، بل محاولة تدمير مشروعه الوطني قبل أن يولد. والجنوب الذي أنجز المستحيل في الميدان قادر على أن ينجز المستحيل في السياسة، إذا توحّد، ورفض أن يكون ثمنًا لصفقات الآخرين.


الصحفي صالح حقروص

2026/9/14م