أزمة التعليم في مجتمعاتنا ليست أزمة مناهج فقط، بل أزمة سلطة. السؤال الحقيقي ليس ماذا نعلم أبناءنا، وإنما من يقرر ماذا يجب أن يعرفوا، وماذا يجب أن يجهلوا، وما الأسئلة التي يسمح لهم بطرحها، وما الأسئلة التي ينبغي أن تبقى خارج الفصل الدراسي.لهذا فإن النقاش حول التعليم الديني والعلماني لا يمكن أن يبقى نقاشا سطحيا بين مؤيد للدين ومؤيد للعلمانية. كلا الطرفين يمكن أن يتحول إلى سلطة على العقل إذا فقد التعليم وظيفته الأساسية: تحرير الإنسان من الجهل والتبعية.
التعليم الديني في كثير من البيئات لا يعاني من مشكلة وجود الدين، بل من الطريقة التي يقدم بها الدين. عندما يتحول التعليم إلى حفظ للنصوص والأحكام دون دراسة سياقاتها التاريخية والفكرية، يصبح الطالب مستهلكا للإجابة لا منتجا للسؤال. وعندما يطلب منه قبول تفسير واحد باعتباره الحقيقة الوحيدة، فإن المؤسسة التعليمية لا تربيه على فهم الدين، بل على الخضوع لتفسير معين للدين.و الخلط بين المقدس والتفسير البشري. النص قد يكون مقدسا بالنسبة للمؤمن، لكن تفسير الإنسان للنص ليس مقدسا بالضرورة. ومع ذلك، تتعامل بعض المؤسسات مع اجتهادات تاريخية وكأنها أحكام نهائية لا يجوز مراجعتها. وبذلك يتحول الفقه من مجال للاجتهاد إلى سلطة فكرية، ويتحول المعلم من ناقل للمعرفة إلى حارس على حدود التفكير. أن الطالب قد يتعلم منذ طفولته أن السؤال نفسه يمكن أن يكون جريمة. فإذا سأل عن علاقة الدين بالدولة، أو عن حقوق المرأة، أو عن الحرية، أو عن العقوبة، أو عن التاريخ السياسي للمؤسسات الدينية، قد يواجه اتهاما في نيته بدلا من مناقشة سؤاله. هكذا يتعلم الإنسان أن يخاف من التفكير قبل أن يتعلم التفكير.لكن التعليم العلماني ليس بريئا أيضا.
العلمانية عندما تتحول من مبدأ لتنظيم العلاقة بين الدولة والدين إلى أيديولوجيا مغلقة، يمكن أن تنتج نوعا آخر من التلقين. يصبح الدين في هذه الحالة شيئا يجب إبعاده من النقاش العام بدلا من دراسته وتحليله. ويصبح بعض المدافعين عن العلمانية أسرى لفكرة أن كل ما هو ديني رجعي، وكل ما هو علماني حديث.وهذه عقلية غير نقدية أيضا لا يمكن بناء عقل حديث من خلال احتقار التراث، كما لا يمكن بناء عقل متدين من خلال تحريم النقد. الإنسان يحتاج إلى أن يفهم الدين بوصفه عقيدة بالنسبة للمؤمن، وظاهرة تاريخية واجتماعية وفكرية بالنسبة للباحث. ويحتاج في الوقت نفسه إلى فهم العلمانية باعتبارها ترتيبا سياسيا وقانونيا، لا باعتبارها دينا بديلا. المشكلة إذن ليست في الدين وحده ولا في العلمانية وحدها. المشكلة في تحويل الأفكار إلى سلطات لا تقبل المساءلة.ويكشف التعليم عن علاقته العميقة بالسياسة.
الدولة التي تريد مواطنا مطيعا ستبحث عن تعليم يربي على الطاعة. المؤسسة الدينية التي تريد أتباعا غير قابلين للنقد ستبحث عن تعليم يحول التفسير إلى حقيقة نهائية. والحركة الأيديولوجية التي تريد جيلا مؤمنا بمشروعها ستبحث عن مدرسة تزرع أفكارها قبل أن تعلم الطالب كيف يفحصها.في كل هذه الحالات يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج النظام القائم.ولهذا يمكن أن تجد طالبا درس الدين سنوات طويلة لكنه لا يعرف كيف يناقش فكرة دينية، وطالبا درس العلوم الحديثة لكنه لا يستطيع نقد فكرة سياسية، وطالبا يحمل شهادة جامعية لكنه لا يستطيع التمييز بين الرأي والحجة.هذه ليست مشكلة ذكاء. إنها مشكلة نظام تعليمي.الجامعة التي تخاف من الفلسفة ليست جامعة مكتملة. والمدرسة التي تمنع الطالب من السؤال ليست مؤسسة تعليمية بالمعنى العميق. والكلية التي تعلم الطالب ماذا يقول دون أن تعلمه لماذا يقول ذلك، تنتج موظفا معرفيا لا مثقفا.نحن بحاجة إلى تغيير السؤال من أساسه.لا ينبغي أن يكون الهدف أن نخرج طالبا دينيا أو علمانيا، بل طالبا قادرا على التفكير في الدين والعلمانية معا. طالبا يستطيع أن يقرأ النص الديني، لكنه يعرف الفرق بين النص وتفسيره. يستطيع أن يفهم العلمانية، لكنه يعرف أنها ليست عقيدة فوق النقد. يستطيع أن يحترم الإيمان، لكنه لا يحول المختلف إلى عدو. ويستطيع أن يمارس النقد، لكنه لا يحوله إلى احتقار للناس ومعتقداتهم.هذا النوع من التعليم يحتاج إلى الفلسفة.الفلسفة ليست خصما للدين، لكنها خصم للتفكير المغلق. وليست عدوا للعلمانية، لكنها ترفض أن تتحول العلمانية إلى عقيدة لا تقبل النقد. وهي لا تعطي الطالب إجابات جاهزة، وهذا بالضبط سبب أهميتها.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من المدارس التي تعلم الإنسان ماذا يفكر. نحتاج إلى مدارس تعلمه كيف يفكر.نحتاج إلى تعليم يجعل الطالب قادرا على مواجهة رجل الدين عندما يخطئ، والسياسي عندما يكذب، والأستاذ عندما يلقن، والقبيلة عندما تطلب منه الولاء الأعمى، والدولة عندما تنتهك القانون، والمثقف عندما يحول رأيه إلى حقيقة مطلقة.وتصبح الفلسفة جزءا من مشروع سياسي واجتماعي، لا مادة أكاديمية هامشية.فالمجتمع الذي لا يربي أبناءه على السؤال سيظل يبحث عن وصي على عقله. مرة يكون الوصي رجل دين، ومرة زعيما سياسيا، ومرة قبيلة، ومرة أيديولوجيا، ومرة حتى مثقفا يدعي امتلاك الحقيقة.المشكلة ليست أن لدينا دينا كثيرا أو علمانية قليلة. المشكلة أن لدينا عقولا لم تتدرب بما يكفي على مقاومة السلطة الفكرية.وهذا هو الفشل الحقيقي للتعليم: أن يتخرج الإنسان من المدرسة والجامعة وهو يحمل شهادة، لكنه لا يزال يبحث عن شخص يخبره ماذا يعتقد.التعليم الحقيقي يبدأ عندما يصبح الطالب قادرا على أن يقول: أنا أحترم هذه الفكرة، لكنني أريد أن أفهمها، وأناقشها، وأختبر حجتها، وأرفضها إذا لم تقنعني.عندها فقط يتحول التعليم من مؤسسة لإعادة إنتاج الطاعة إلى مؤسسة لإنتاج الإنسان.
#زكريا_نمر