تكشف تقارير دولية وتقارير صادرة عن وكالات ووسائل إعلام مختلفة جوانب خطيرة من الفساد المستشري في مؤسسات الدولة والحكومة الشرعية اليمنية، بما في ذلك مؤسسات عسكرية وأمنية، وما رافق ذلك من سوء إدارة للموارد العامة والدعم المحلي والدولي.
وتطرح هذه التقارير تساؤلات جدية حول ما إذا كان الفساد داخل المؤسسة العسكرية، والاختلالات الإدارية والمالية، والولاءات الشخصية والمناطقية، قد أسهمت في إضعاف الجبهات والقوات الحكومية، وأصبحت أحد العوامل التي ساعدت على سقوط مناطق استراتيجية، ومنها مدينة المخا، أمام الحوثيين.
ولا تقف القضية عند حدود المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى الرئاسة والحكومة ومنظومة الحكم والإدارة، وسط اتهامات ومخاوف متكررة بشأن نهب الموارد العامة، وسوء استخدام المساعدات والمنح الدولية، وغياب الشفافية، وتضارب المصالح، وتوظيف النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية أو عائلية.
ومن أكثر الملفات إثارة للجدل التعيينات الرئاسية والحكومية التي تذهب أحيانًا إلى أشخاص لا يمتلكون، بحسب منتقدي هذه التعيينات، سجلًا مهنيًا أو خبرة كافية تؤهلهم لتولي مواقع عامة حساسة، بينما يستطيع صاحب النفوذ أن يصعد إلى مواقع القرار، ويتولى مسؤوليات تتعلق بمصالح الشعب والدولة، بعيدًا عن معايير الكفاءة والخبرة والاستحقاق.
وهنا يبرز سؤال بسيط: هل أصبحت الوظيفة العامة حقًا للكفاءة، أم امتيازًا لمن يمتلك النفوذ والقدرة على الوصول إلى دوائر القرار؟
وفي كل مرة تتعالى فيها الأصوات المطالبة بالمكاشفة والمحاسبة، تعود إلى الواجهة تساؤلات حول حجم الإنفاق الرئاسي والحكومي، والإنفاق على الكماليات والامتيازات، وما إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لفتح ملفات المال العام أمام الرقابة والمساءلة.
فمن الصعب أن يفهم المواطن اليمني كيف يستمر الإنفاق بالعملة الصعبة على مؤسسات الدولة العليا والامتيازات والسفريات والمظاهر الرسمية، بينما تعاني البلاد من انهيار الخدمات، وتعيش الأسر تحت وطأة الفقر وارتفاع الأسعار، وتواجه الكهرباء والمياه والصحة والتعليم أزمات متواصلة.
والأكثر إيلامًا أن آثار هذا الانهيار وصلت إلى أطفال المدارس؛ فالطالب الذي يذهب إلى المدرسة جائعًا لم يعد قادرًا حتى على الوقوف في الطابور الصباحي من شدة الجوع والإرهاق. وفي المقابل، تستمر مظاهر الإنفاق والامتيازات وكأن البلاد تعيش ظروفًا طبيعية.
والأخطر من ذلك أن المواطن في مناطق الحكومة الشرعية يشعر بأن بلاده تحولت إلى سجن كبير للكفاءات والرجال الشرفاء؛ فالموظف النزيه والكفاءة الوطنية يجدان الأبواب مغلقة أمامهما، بينما تتسع مساحات النفوذ أمام العائلات والشللية والمحسوبية، ويستمر البعض في التنقل بين العواصم والسفريات والامتيازات، فيما يعيش المواطن البسيط تحت ضغط الفقر وانهيار الخدمات وارتفاع الأسعار.
كما تثار تساؤلات حول عمليات مالية مشبوهة وغسل أموال، وهي قضايا لا ينبغي أن تبقى في إطار الاتهامات الإعلامية، بل تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وشفافة، وأرقام ووثائق، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.
السؤال الذي لم يعد من الممكن تجاهله:
إذا كانت الدولة تحصل على موارد محلية ودعم دولي، فلماذا لا ينعكس ذلك على حياة الناس، وعلى بناء جيش قوي ومؤسسات فاعلة وخدمات مستقرة؟
إن سقوط المدن والجبهات لا يُفسَّر دائمًا بالقوة العسكرية للخصم وحدها؛ فقد يكون الفساد وسوء الإدارة وشراء الولاءات وتبديد الموارد وغياب المحاسبة أخطر من الرصاص نفسه.
وإذا كان سقوط المخا أو غيرها من المناطق قد ارتبط بأخطاء عسكرية أو اختلالات في إدارة المعركة، فإن الواجب اليوم هو فتح الملفات بلا خوف: أين ذهبت الموارد؟ وكيف أُديرت المؤسسات؟ ومن اتخذ قرارات التعيين؟ وكيف صُرفت الأموال؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من البيانات الرسمية التي تتحدث عن الإنجازات، بينما يعيش المواطن واقعًا مختلفًا تمامًا؛ بل يحتاج إلى مكاشفة حقيقية، ونشر الأرقام، وفتح ملفات المال العام، وإصلاح منظومة التعيينات، وإعادة الاعتبار للكفاءة، ومحاسبة الفاسدين مهما كان موقعهم.
فالدولة التي تُقصي كفاءاتها، وتكافئ أصحاب النفوذ، وتهدر مواردها، وتترك مواطنيها تحت الفقر والجوع وانهيار الخدمات، تضعف من الداخل قبل أن يهزمها خصومها من الخارج.
كتب / سمير الوهابي