أمين السر ليس قاضيًا... والاختصاص لا يُنتزع بالاجتهاد

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 - 02:18 م


المحامية.فاطمة علي إبراهيم نور
بقلم: المحامية.فاطمة علي إبراهيم نور
ارشيف الكاتب

بقلم المحامية/ فاطمة علي إبراهيم علي نور

لاحظنا في الآونة الأخيرة بعض الممارسات داخل المحاكم التي تستوجب الوقوف أمامها والتوجيه بشأنها، ومنها تدخل بعض أمناء السر في أمور تتجاوز حدود اختصاصهم، والتدخل في أعمال المحامين، بل ومحاولة مناقشتهم في مسائل قانونية ودفوع وطلبات هي في الأصل من صميم العمل القضائي.

وأقولها من البداية وبكل وضوح:

هذا الكلام ليس اتهامًا لشخص بعينه، ولا إساءة إلى أمناء السر كفئة، ولا استهدافًا لأي جهة.

غرضنا هو النقد للتوجيه، والتنبيه للإصلاح، وتصحيح المسار وإعادته إلى الطريق الصحيح وفقًا للقانون.

فنحن لا نتهم أحدًا، وإنما ننتقد ممارسة نرى أن من الواجب الوقوف عندها، وأن يتم التعامل معها من خلال الجهات المختصة والطرق القانونية.

أمين السر... أمين سر وليس قاضيًا

قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م قرر في المادة (1) أن القضاء سلطة مستقلة، وأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، كما قرر أنه لا يجوز لأي جهة وبأي صورة التدخل في القضايا أو في شأن من شؤون العدالة.

كما نصت المادة (9) على أن المحاكم هي الجهات القضائية المختصة بالفصل في المنازعات والجرائم.

أما موظفو المحاكم، فقد نظم القانون واجباتهم، ومن ذلك ما ورد في المادة (137) بشأن تسلم الأوراق القضائية الخاصة بأعمال وظائفهم وحفظها والقيام بما تفرضه عليهم القوانين والتعليمات، وتحرير محاضر الجلسات وفقًا للقانون.

كما حددت اللائحة التنظيمية للمحاكم لأمانة السر أعمالًا إجرائية وكتابية وتنظيمية، من بينها استلام القضايا وقيدها وجدولتها، وإعداد قوائم الجلسات، وعرض القضايا على هيئة الحكم، وقيد الطلبات والإجراءات، وتنظيم الملفات، وتسجيل الأحكام والقرارات، وغيرها من الأعمال التي تدخل في نطاق أمانة السر.

لكن هذه الاختصاصات لا تجعل أمين السر قاضيًا، ولا تمنحه ولاية الفصل في الدفوع والطلبات، ولا تخوله التدخل في عمل المحامي أو توجيهه في مضمون دفاعه.

وهنا يجب أن نكون واضحين:

أنت أمين سر... ولست قاضيًا.

إذا كان هناك دفع أو طلب أو إجراء ترى أنه مخالف للقانون، فهناك قاضٍ ومحكمة وجهة مختصة بالفصل فيه.

أما أن تتحول وظيفة أمين السر إلى مناقشة المحامي في صميم دفاعه، أو أن يقرر له ما يجوز أن يقدم وما لا يجوز، أو أن يدخل معه في جدل قانوني وكأنه صاحب الولاية في تقدير الدفوع والطلبات، فهذا تجاوز للحد الفاصل بين العمل الإجرائي لأمين السر والعمل القضائي الذي تختص به المحكمة.

والمحامي ليس تابعًا لأمين السر

قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم (31) لسنة 1999م نظم حقوق المحامي وواجباته، وأكد حقه في ممارسة مهنته والحضور أمام المحاكم والجهات ذات الاختصاص القضائي.

كما ألزم الجهات التي يمارس المحامي مهنته أمامها بتقديم التسهيلات التي يقتضيها قيامه بواجبه، وألا ترفض طلباته بدون مسوغ قانوني.

والقانون أعطى المحامي الحق في سلوك الطريق التي يراها مناسبة في الدفاع عن موكله، في حدود القانون.

إذن، عندما يقدم المحامي دفعًا أو طلبًا أو مذكرة أو يتمسك بنص قانوني، فليس من وظيفة أمين السر أن يصبح خصمًا له أو أن يمارس عليه رقابة مهنية من عنده.

الدفع الذي يراه أمين السر غير صحيح يترك أمر تقديره للمحكمة، والطلب الذي يرى أنه غير مقبول يعرض على الجهة المختصة وفق الإجراءات القانونية.

أما الفصل في المسألة القانونية، فليس من اختصاص أمين السر.

لا يجوز التقليل من أي محامٍ

وهذه نقطة لن أتجاوز عنها:

لا يجوز التقليل من أي محامٍ.

سواء كان:

محاميًا تحت التمرين، أو محاميًا ابتدائيًا، أو محامي استئناف، أو محاميًا أمام المحكمة العليا، أو مستشارًا.

كل محامٍ يؤدي واجبه في حدود صفته القانونية يستحق الاحترام.

واختلاف الدرجة المهنية لا يعطي أي موظف الحق في السخرية من المحامي أو الانتقاص منه أو التقليل من شأنه أو التدخل في عمله المهني.

فالمحامي الذي يقف أمام المحكمة ويدافع عن موكله يؤدي واجبًا مهنيًا وقانونيًا.

وإذا أخطأ في دفع أو طلب، فالقانون موجود.

وإذا كان طلبه غير مقبول، فالقانون موجود.

وإذا كان هناك نقص في إجراء، فالقانون موجود.

أما التقليل من المحامي أو الدخول معه في مواجهة شخصية، فليس قانونًا ولا اختصاصًا.

وأنا كمحامية...

وأقولها عن نفسي بكل وضوح:

أنا لست من الشخصيات التي ترفع صوتها لمجرد رفع الصوت.

أنا كمحامية، عندما يكون لدي موقف، أقدم أوراقي، وأقدم مستنداتي، وأقدم أدلتي، وأتمسك بالنصوص القانونية، وأسلك الطرق التي رسمها القانون.

أنا أؤمن أن الحجة القانونية أقوى من الصراخ، وأن الورقة القانونية أقوى من الانفعال، وأن الدليل هو الذي يتكلم.

لكن...

عندما يستوجب الموقف أن أرفع صوتي، فسأرفعه بالقدر الذي يفرضه الموقف.

سواء كان ذلك داخل قاعة المحكمة دفاعًا عن الحق، أو دفاعًا عن الموكلين ، أو دفاعًا عن حقوقي وكرامتي المهنية كمحامية، أو دفاعًا عن أي محامٍ كان زميلًا لي عندما يتعرض لتجاوز أو انتقاص من حقه أو صفته المهنية.

ولست ممن يرفعون أصواتهم عبثًا، ولكنني أيضًا لست ممن يصمتون عندما يستوجب الموقف الكلام.

إذا كان الصمت يعني السكوت عن تجاوز، فسأتكلم.

وإذا كان الكلام يحتاج إلى مستند، فسأقدم المستند.

وإذا كان يحتاج إلى دليل، فسأقدم الدليل.

وإذا كان يحتاج إلى إجراء قانوني، فسأسلك الإجراء القانوني.

وإذا استوجب الموقف رفع الصوت دفاعًا عن الحق، فسأرفع صوتي بالقدر الذي يفرضه الموقف، لا أكثر ولا أقل.

نحن جيل لا يسكت عن الحق

وأتمنى أن يصل هذا الكلام إلى الجهات المعنية والمختصة وأن يؤخذ بعين الاعتبار، لا باعتباره خصومة مع أحد، وإنما باعتباره صوتًا مهنيًا هدفه الإصلاح.

فنحن الجيل الحاضر، جيل النهضة، جيل القوة، جيل الوعي، وجيل لا يقبل أن يصبح الخطأ أمرًا معتادًا.

ونحن كمحامين لا يمكن أن ندافع عن حقوق الناس أمام القضاء، ثم نصمت عندما نرى تجاوزًا يحتاج إلى تصحيح داخل منظومة العدالة نفسها.

ونحن لا نتهم.

نحن نوجه، وننتقد، ونطالب بالتصحيح.

وأي شيء خارج عن القانون يجب أن يتم تصحيحه بالطرق القانونية، وأي تجاوز للاختصاص يجب أن تتم معالجته من خلال الجهات المختصة.

لكل شخص اختصاصه

القاضي له اختصاصه.

المحامي له اختصاصه.

أمين السر له اختصاصه.

والموظف الإداري له اختصاصه.

ولا يجوز لأحد أن ينتزع اختصاص غيره.

أمين السر ليس قاضيًا.

والمحامي ليس موظفًا لدى أمين السر.

والقاضي ليس تابعًا لأي موظف إداري.

وهذه ليست مسألة شخصية، وإنما مبدأ قانوني يجب أن يحترمه الجميع.

فحتى اللائحة التنظيمية للمحاكم، عند تنظيم عمل أمانة السر، تجعل من مهامها قيد القضايا وجدولتها وعرضها على هيئة الحكم وتنظيم الإجراءات الكتابية، وهو ما يؤكد طبيعة دورها الإجرائي والتنظيمي، وليس منحها ولاية الفصل القضائي.

رسالتي إلى وزارة العدل والجهات المعنية

أتمنى أن تصل هذه الرسالة إلى وزارة العدل، والجهات القضائية، والجهات الرقابية، وكل مسؤول يعنيه أمر العدالة، وأن يؤخذ بعين الاعتبار ما نطرحه.

لا نريد خصومة مع أحد.

ولا نريد الإساءة إلى أمناء السر الذين يؤدون أعمالهم بأمانة واحترام.

بل نكن الاحترام لكل موظف يقوم بواجبه كما حدده القانون.

لكننا نريد شيئًا واحدًا:

تصحيح المسار.

نريد أن يعرف كل شخص حدود اختصاصه.

نريد أن يحترم أمين السر المحامي، وأن يحترم المحامي أمين السر، وأن يحترم الجميع القاضي وهيبة القضاء.

وأن تبقى المسائل القضائية في يد أصحاب الولاية القضائية.

وأن يمارس المحامي حقه في الدفاع دون تدخل غير مستند إلى القانون.

وأي تجاوز للقانون يجب أن تتم معالجته بالقانون والطرق القانونية.

كلمة أخيرة

هذه ليست معركة ضد أمناء السر.

وليست معركة ضد موظفي المحاكم.

وليست خصومة مع أحد.

إنها كلمة محامية تؤمن بأن احترام القانون يبدأ من داخل مؤسسات العدالة نفسها.

فإذا كان هناك أمين سر يتدخل فيما لا يخصه، أو يتجاوز حدود وظيفته، أو يتدخل في عمل المحامي أو القاضي، فهذه ممارسة يجب أن تتوقف ويتم تصحيحها بالطرق القانونية.

كل شخص له اختصاصه.

وأمين السر يبقى أمين سر.

وليس قاضيًا.

والمحامي، مهما كانت درجته المهنية، يبقى صاحب صفة مهنية وحق قانوني في ممارسة مهنته والدفاع عن موكليه في حدود القانون.

وأنا كمحامية سأظل أقول كلمتي بالطرق القانونية، وسأقدم أوراقي وأدلتي، وسأتمسك بالنصوص، وسأحترم المحكمة والقانون.

لكنني في الوقت نفسه لن أقبل التقليل من المحامين، ولن أقبل تجاوز الاختصاص، ولن أصمت عن ممارسة تستوجب التصحيح.

وسأرفع صوتي عندما يستوجب الموقف ذلك:

دفاعًا عن الحق،

ودفاعًا عن موكلي،

ودفاعًا عن حقوقي وكرامتي المهنية،

ودفاعًا عن أي زميل محامٍ يتعرض لتجاوز أو انتقاص.

لأننا لا نبحث عن المشاكل...

نحن نبحث عن العدالة.

ولا نريد أن ننتصر على أحد...

نريد أن ينتصر القانون.

ولا نريد إسكات أحد...

نريد أن يتكلم القانون فوق الجميع.

ننتقد للإصلاح، نوجه للتصحيح، ونتكلم دفاعًا عن القانون.

والاختصاص لا يُؤخذ بالصوت، ولا بالوظيفة، ولا بالممارسة... الاختصاص يمنحه القانون.

بقلم المحامية/ فاطمة علي إبراهيم علي نور