حاشية أسقطت صالح وهادي.. هل تُسقط العليمي•• حين تعيد الحاشية صناعة السقوط ••

الخميس - 13 أغسطس 2026 - 08:57 م


سيف الحاضري
بقلم: سيف الحاضري
ارشيف الكاتب

في اليمن، يبدو التاريخ أحيانًا وكأنه لا يتحرك إلى الأمام، بل يدور في حلقة مغلقة؛ تتغير أسماء الرؤساء، وتتبدل الظروف والتحالفات، لكن الأخطاء نفسها تعود، والحاشية نفسها تقريبًا تعيد إنتاج النصائح ذاتها، حتى تكاد نهايات السلطة تصبح مشاهد محفوظة لا تحتاج إلى كثير من التنبؤ.


ومن يتأمل تاريخ اليمن السياسي منذ سبعينيات القرن الماضي سيجد أن سقوط الرؤساء لم يكن دائمًا نتيجة قوة خصومهم وحدها، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة العزلة التي صُنعت حولهم قبل سقوطهم.


فالرئيس لا يسقط يوم يفقد كرسيه؛ يبدأ سقوطه يوم يفقد القدرة على سماع الحقيقة.


صالح.. حين بدأت التحالفات تتآكل


في سنواته الأخيرة، دفع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح ثمن سياسة انتهت به إلى خسارة مساحات واسعة من تحالفاته السياسية والاجتماعية والعسكرية.


كان صالح قد بنى جانبًا كبيرًا من قوته طوال عقود على شبكة معقدة من التوازنات والتحالفات وإدارة التناقضات. لكن كلما اتجه النظام نحو مزيد من تركيز السلطة وإضعاف الشركاء، تقلصت الدائرة التي يستند إليها الرئيس، حتى وجد نفسه في لحظة تاريخية حرجة أمام خصوم كثر وحلفاء أقل.


وهنا يظهر الدور الأخطر للحاشية.


فالحاشية الصادقة لا تقول للرئيس ما يحب سماعه، وإنما ما يجب عليه سماعه. ولا تقيس نجاحها بمقدار قربها من مكتبه، بل بقدرتها على منعه من اتخاذ القرار الذي قد يهدم سنوات من بناء التحالفات.


ولو وجد صالح حوله من يقول له بوضوح إن قوة الرئيس ليست في إضعاف جميع من حوله، وإن تفكيك التحالفات التي صنعت استقرار حكمه سيتركه يومًا وحيدًا، لربما سلك التاريخ مسارًا مختلفًا.


هادي.. الطريق نفسه بأدوات مختلفة


جاء الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي في ظرف مختلف تمامًا، لكنه وقع تدريجيًا في مأزق مشابه.


وصل هادي إلى الرئاسة بتوافق سياسي واسع وفي ظل تسوية شاركت فيها قوى متعددة، وكان المنطقي أن تكون المحافظة على ذلك التوافق إحدى أهم ضمانات بقائه وقدرته على إدارة المرحلة.


لكن المسافة أخذت تتسع بين الرئاسة وبين كثير من القوى التي شاركت في صناعة التسوية.


ومع انهيار مؤسسات الدولة والحرب والتدخلات الإقليمية، أصبح الخارج أكثر حضورًا في القرار اليمني، بينما أصبح الداخل أكثر تشتتًا.


وهنا وقع الخطأ القاتل: كلما ضعفت الشراكة الداخلية، ازداد الاعتماد على الحلفاء الخارجيين.


وقد تستطيع الدولة الاستعانة بحلفائها، لكنها لا تستطيع استبدال حاضنتها الداخلية بهم.


وكان يفترض بأحداث عدن في 2018 ثم 2019 وما حملته من صدامات وانقلاب على مؤسسات الحكومة أن تدفع الرئاسة إلى إعادة تقييم شاملة لعلاقاتها وتحالفاتها وطريقة إدارة الدولة. لكن ذلك لم يحدث بالمستوى الذي يعيد بناء مركز القرار اليمني.


وفي النهاية وجد هادي نفسه أمام المعادلة الأشد قسوة: قوى الداخل التي أوصلته إلى الرئاسة لم تعد متماسكة حوله، والحلفاء الخارجيون الذين تعاظم الاعتماد عليهم أصبحوا أنفسهم جزءًا من ترتيبات سياسية انتهت بخروجه من السلطة.


وهكذا اكتملت دائرة العزلة.


واليوم.. هل يعاد إنتاج المشهد؟


المقلق أن كثيرًا من ملامح ذلك التاريخ تبدو حاضرة اليوم حول رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي.


مرة أخرى تتسع الخلافات مع قوى سياسية ووطنية يفترض أنها جزء من معسكر واحد.


ومرة أخرى يبدو أن دوائر ضيقة تحيط بمركز القرار وتقدم للرئيس صورة عن الواقع قد تختلف كثيرًا عما يجري خارجه.


لكن الأخطر هذه المرة أن المسألة لا تتوقف عند العلاقة بالقوى السياسية.


إنها تمتد إلى علاقة رئيس مجلس القيادة بالمؤسسة العسكرية نفسها، وهو الذي يشغل موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة.


وهذه مفارقة شديدة الخطورة.


فأي حاشية تدفع القائد الأعلى إلى الابتعاد عن جيشه، أو تحول بينه وبين معرفة حقيقة أوضاع المقاتلين والجبهات والمؤسسات العسكرية، لا تحمي الرئيس وإنما تقطع أحد أهم الأعمدة التي يستند إليها.


الرئيس يحتاج إلى أن يسمع صوت الجبهة قبل صوت المكتب، وصوت المجتمع قبل تقارير المنتفعين، وصوت شركائه قبل همسات أولئك الذين يبنون نفوذهم الشخصي على اتساع المسافة بين الرئيس والآخرين.


الحاشية التي تعيش بعد الرؤساء


الأكثر إثارة في التجربة اليمنية أن بعض الوجوه والأساليب التي أحاطت بمراكز القرار في مراحل سابقة استطاعت الانتقال من عهد إلى آخر.


تتغير الرئاسة، ويبقى محترفو الاقتراب من الرؤساء.


يقدمون لكل رئيس الوصفة نفسها: أنت الأقوى، خصومك ضعفاء، شركاؤك عبء عليك، الأصوات الناقدة تستهدفك، والخارج أكثر ضمانًا من الداخل.


ثم يبدأ الرئيس بخسارة هذا الطرف وذاك، بينما تقنعه حاشيته بأنه يتخلص من خصومه.


حتى يأتي اليوم الذي يكتشف فيه أن الذين قيل له إنهم خصومه كانوا جزءًا من جدار الحماية المحيط به.


الحاشية السيئة لا تسقط الرئيس دفعة واحدة؛ إنها تفكك محيطه قطعة قطعة، ثم تتركه وحيدًا أمام العاصفة.


السؤال الذي يجب أن يسمعه العليمي


لو كانت حول الرئيس رشاد العليمي حاشية سياسية صادقة، لكان أول ما تقوله له:


لا تخسر شركاء الداخل.


لا تجعل التباينات داخل معسكر الجمهورية تتحول إلى خصومات.


لا تسمح بأن تصبح علاقتك بالجيش علاقة تقارير مكتبية بينما الرجال في الجبهات يعيشون واقعًا مختلفًا.


ولا تسمح بتكرار المعادلة التي أثبت التاريخ فشلها: إرضاء الخارج على حساب تماسك الداخل.


وكان عليها أن تسأله أيضًا كيف وصل اليمن إلى وضع يصبح فيه من شاركوا في أحداث تمرد وصدامات مسلحة ضد مؤسسات الدولة في مراحل سابقة شركاء في أعلى هرم السلطة، بينما تتعمق الخلافات بين الرئاسة وقوى وشخصيات وقفت طويلًا في صف الجمهورية والدولة؟


وكان عليها أن تقول إن فرص الحسم والتحرير لا تتكرر إلى الأبد، وإن التاريخ لن يحاسب القيادة على النوايا، وإنما على الفرص التي امتلكتها والقرارات التي اتخذتها أو ترددت في اتخاذها.


الرئيس القوي لا يخشى الحقيقة


المشكلة ليست في وجود مستشارين أو مساعدين حول الرئيس؛ فكل قيادة تحتاج إليهم.


المشكلة تبدأ عندما تتحول الحاشية إلى جدار عازل بين الحاكم والواقع.


حين يصبح الوصول إلى الرئيس امتيازًا تتحكم به مجموعة صغيرة.


وحين تتحول المعلومات إلى ما ترغب تلك المجموعة في أن يسمعه.


وحين يُصوَّر كل ناقد باعتباره خصمًا، وكل شريك مختلف باعتباره خطرًا، وكل صاحب رأي مستقل باعتباره مشكلة يجب التخلص منها.


عندها لا تعود الحاشية تحمي الرئيس، بل تبدأ ـ بقصد أو بغير قصد ـ في كتابة الفصل الأخير من عهده.


والتاريخ اليمني مليء بالدروس لمن يريد أن يقرأ.


صالح لم يكن ضعيفًا حين بدأت دائرة حلفائه تضيق.


وهادي لم يكن بلا شرعية حين بدأت القوى التي حملته إلى الرئاسة تبتعد عنه.


لكن السلطة حين تفقد جسورها مع المجتمع والقوى السياسية ومؤسسات الدولة، لا تستطيع حماية نفسها بمجرد الاعتراف الخارجي أو بمن يملأون مكاتب الرئاسة.


والدرس الذي ينبغي أن يصل اليوم إلى الرئيس رشاد العليمي بسيط وقاسٍ في الوقت ذاته:


لا تخشَ من يقول لك إنك أخطأت؛ اخشَ من يقنعك أنك لا تخطئ.


ولا تخشَ الشريك الذي يختلف معك؛ اخشَ الحاشية التي تدفعك إلى خسارة جميع شركائك.


ففي اليمن تغير الرؤساء أكثر من مرة، لكن الخطأ ظل واحدًا:


يبدأون بخسارة من حولهم واحدًا تلو الآخر، بينما تقنعهم الحاشية أنهم يزدادون قوة.. وعندما يكتشفون الحقيقة، يكون التاريخ قد بدأ بالفعل كتابة مشهد السقوط.


#سيف_الحاضري