لليمن، على ما يبدو، منطقه السياسي الخاص؛ منطق يصعب أحيانًا تفسيره بأدوات السياسة والحرب، لأن المسافة بين حجم الحدث وطريقة التعاطي الرسمي معه أصبحت أوسع من أن تُفسر بمجرد البطء أو سوء التقدير.
منذ نحو اثنتين وسبعين ساعة، تتوالى هجمات مليشيات الحوثي على امتداد رقعة واسعة من الجبهات، بصورة لا توحي بوقائع منفصلة، بل بنمط عملياتي متتابع ومتعدد الاتجاهات. من تعز إلى شبوة، ومن الضالع إلى الجوف، ومن الساحل إلى صعدة وحضرموت، وصولًا إلى الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مأرب، في مشهد تتزامن معه تحركات وحشود وضربات تسقط قتلى وجرحى.
لسنا، إذن، أمام خرق محدود يمكن احتواؤه ببيان إدانة، ولا أمام حادث أمني يستدعي رفع درجة الحذر؛ نحن أمام مؤشرات ميدانية لحالة حرب، أو على الأقل تصعيد عسكري واسع يستوجب أن تتعامل معه الدولة بمنطق الحرب: قيادةً، وتعبئةً، وانتشارًا، واستعدادًا، وقرارًا سياسيًا يتناسب مع طبيعة ما يجري.
وهنا تبدأ المفارقة.
نقرأ بيان مجلس الدفاع الوطني، فنجد أنه يصف بنفسه هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع القوات المسلحة، ومنشآت سيادية، وأعيانًا مدنية، ومنازل مواطنين ومخيمات نازحين، وأوقعت شهداء وجرحى بينهم نساء وأطفال.
ثم يؤكد البيان أن إنهاء الانقلاب هو السبيل الوحيد لاستعادة الدولة وتحقيق الأمن والسلام.
هذا تشخيص بالغ الأهمية.
لكن أين القرار الذي تقتضيه هذه النتيجة؟
إذا كان المجلس قد انتهى بنفسه إلى أن إنهاء الانقلاب هو الطريق الوحيد، وإذا كانت المليشيات قد انتقلت بالفعل إلى هذا المستوى من التصعيد، فما الذي بقي حتى تنتقل الدولة من إدارة الخطر إلى تغيير المعادلة التي تنتجه؟
البيان يتحدث عن رفع الجاهزية واليقظة، وتعزيز التنسيق، وحماية المدنيين والمنشآت، وإحباط المخططات، والرد الحازم على الاعتداءات. وكلها واجبات ضرورية، لكنها في النهاية تنتمي إلى العقيدة الدفاعية ورد الفعل، بينما السؤال الذي يطرحه الميدان أكبر: متى تستعيد الدولة زمام المبادرة؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
لا يكفي أن تكون القوات في حالة جاهزية إذا بقي القرار السياسي في حالة انتظار.
ولا معنى لأن تقول السلطة إن إنهاء الانقلاب هو السبيل الوحيد للسلام، ثم تظل استراتيجيتها العملية محكومة بمنع تكرار الضربة التالية والتصدي لها عندما تقع.
الدولة التي تدرك أنها تواجه خطرًا استراتيجيًا تعيد ترتيب أولوياتها كلها وفق هذا الخطر؛ اقتصادها، ودبلوماسيتها، ومؤسساتها، وأجهزتها الأمنية والعسكرية، وخطابها السياسي، وتعبئتها المجتمعية. فالخطر الوجودي لا يُدار كملف ضمن جدول أعمال، وإنما يعيد تشكيل جدول الأعمال كله.
وهنا تصبح المقارنة مع المملكة العربية السعودية ذات دلالة سياسية مهمة. فحين رأت الرياض أن طبيعة التهديدات المحيطة بها تتجاوز مجرد التعامل مع جماعات مسلحة، تحركت نحو بناء ترتيبات وشراكات دفاعية أوسع، وفق ما يشير إليه البيان نفسه عند ترحيبه باتفاقية الدفاع المشترك التي تحدث عنها.
أي أن الدولة حين تعيد تقدير مستوى الخطر، تغيّر أدواتها بما يناسبه.
أما في الحالة اليمنية، فالمشهد يبدو معكوسًا: كلما اتسعت دائرة الخطر، ازدادت اللغة الرسمية تحفظًا؛ وكلما ارتفع منسوب العمليات العسكرية، ظل القرار المعلن يدور حول الجاهزية واليقظة والتنسيق والرد.
حتى إعلان مجلس الدفاع الوطني استمرار انعقاده الدائم يحمل في ذاته سؤالًا أكبر من الإجابة: ماذا سيفعل المجلس في انعقاده الدائم إذا لم يكن الهدف اتخاذ قرار استراتيجي ينقل الدولة من انتظار الضربة إلى صناعة المبادرة؟
فالاجتماعات ليست غاية، والجاهزية ليست استراتيجية مكتملة، واليقظة لا تعوض غياب القرار.
الأكثر إثارة للتساؤل أن البيان نفسه قد حسم نظريًا المسألة عندما قال إن استكمال معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب المدعوم من إيران هو المدخل الحقيقي للأمن والاستقرار، وإن إنهاء الانقلاب هو السبيل الوحيد لإعادة اليمن إلى مساره الطبيعي.
فإذا كان هذا هو التشخيص الرسمي، فلماذا لا تصبح مقتضياته هي السياسة الرسمية؟
لم يعد السؤال اليوم: هل الحوثي يريد السلام أم الحرب؟ فالميدان يقدم إجابته. والسؤال لم يعد أيضًا عن مستوى جاهزية الجندي في المتراس بقدر ما أصبح عن جاهزية القرار في قمة هرم الدولة.
والمسؤولية هنا لا تقع على الجيش وحده. إنها مسؤولية مجلس القيادة والحكومة والبرلمان والقوى السياسية وكل مؤسسات الدولة. فالجندي يستطيع الدفاع عن موقعه، لكنه لا يستطيع أن يقرر استراتيجية الدولة، ولا أن يفتح جبهة، ولا أن يحدد اتجاه المعركة الوطنية.
المشكلة اليمنية اليوم ليست في غياب توصيف الخطر؛ فالبيان وصفه. وليست في غياب معرفة مصدره؛ فقد سمّاه. وليست حتى في غياب تحديد الطريق؛ فقد قال إن إنهاء الانقلاب هو السبيل الوحيد. المشكلة أصبحت في المسافة بين المعرفة والقرار، وبين القرار والفعل.
وهذه أخطر مسافة يمكن أن تعيشها دولة في زمن الحرب.
فإما أن تكون البلاد أمام حرب فعلًا، وعندها يجب أن تتغير بنية القرار بما يتناسب معها، وإما أنها ليست حربًا، وعندها على السلطة أن تشرح للشعب ماذا يمكن أن نسمي صواريخ باليستية ومسيّرات وحشودًا وهجمات متزامنة وضحايا على امتداد الجبهات.
أما أن تكون الحرب قائمة في الميدان، بينما تظل الدولة تتعامل معها بمنطق إدارة التداعيات، فذلك هو التناقض الذي لم يعد يحتمله اليمن.
والتاريخ لن يسأل كم مرة انعقد مجلس الدفاع الوطني، ولا كم بيانًا تحدث عن «رفع الجاهزية». سيسأل سؤالًا واحدًا أشد قسوة:
عندما اتسعت الحرب، وسقط الناس، وأدركت الدولة بنفسها أن إنهاء الانقلاب هو السبيل الوحيد.. ماذا فعل أصحاب القرار بهذه الحقيقة ؟
#سيف_الحاضري