لمن لا يعرفني، أنا زكريا نمر قواد، من جمهورية جنوب السودان 🇸🇸، الدولة التي أعلنت استقلالها في 9 يوليو 2011 بعد استفتاء اختار فيه شعبها تأسيس دولته المستقلة.
تقع جمهورية جنوب السودان في شرق ووسط إفريقيا، وتشكل جسرا جغرافيا يربط بين القرن الإفريقي ووسط القارة الإفريقية. تحدها جمهورية السودان من الشمال، وإثيوبيا من الشرق، وكينيا من الجنوب الشرقي، وأوغندا من الجنوب، وجمهورية الكونغو الديمقراطية من الجنوب الغربي، وجمهورية إفريقيا الوسطى من الغرب. وعاصمتها مدينة جوبا، وهي القلب السياسي والإداري والاقتصادي للدولة، وتقع على ضفاف النيل الأبيض الذي يمثل أحد أهم الموارد الطبيعية في البلاد.
وتتميز جنوب السودان بتنوعها الإنساني والثقافي، إذ تضم 64 قبيلة ومجموعة إثنية، لكل منها لغتها وثقافتها وعاداتها وتاريخها. وتعد اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية للدولة، بينما تستخدم العربية الجنوبية والعربية السودانية على نطاق واسع في الحياة اليومية، إلى جانب عشرات اللغات الوطنية، مثل الدينكا، والنوير، والشلك، والزاندي، والباري، والمورلي، واللاتوكا وغيرها. وهذا التنوع ليس مصدر ضعف، بل يمثل ثروة حضارية يمكن أن تتحول إلى أساس لبناء دولة المواطنة إذا أحسن إدارتها بعيدا عن القبلية والإقصاء.
وتتمتع البلاد بمناخ استوائي ومداري، يتكون من موسمين رئيسيين؛ موسم الأمطار الذي يمتد غالبا من أبريل إلى نوفمبر فتغطي الأمطار السهول والمراعي والغابات، وموسم الجفاف الذي يمتد من ديسمبر إلى مارس من كل عام، ويتميز بارتفاع درجات الحرارة وجفاف الطقس. كما تمتلك جنوب السودان ثروات طبيعية هائلة، تشمل النفط، والأراضي الزراعية الخصبة، والثروة الحيوانية، والغابات، والأنهار، وفي مقدمتها نهر النيل، وهي موارد تجعلها من أكثر الدول الإفريقية امتلاكا لعوامل التنمية إذا توافرت الإدارة الرشيدة والاستقرار.
ألاحظ أحيانا أن بعض المتابعين يعتقدون أنني من السودان الأم، وربما يعود ذلك إلى أنني أكتب باللغة العربية، وأناقش قضايا السودان وجنوب السودان، وأؤمن بأن فهم السياسة لا يكتمل إذا عزلنا الدول عن تاريخها. لذلك أجد من المهم أن أوضح موقفي، ليس دفاعا عن هوية تحتاج إلى إثبات، بل لأن الهوية في منطقتنا كثيرا ما تصبح ضحية لسوء فهم التاريخ.أنا مواطن من جمهورية جنوب السودان، وهذه حقيقة قانونية وسياسية وتاريخية أعتز بها. لكن انتمائي إلى جنوب السودان لا يعني أنني أتنكر للتاريخ الذي سبق ميلاد الدولة، لأن الدول تولد في لحظة سياسية، أما الشعوب فتصنعها قرون من الذاكرة المشتركة.هناك فرق بين الدولة والوطن، وبين السلطة والتاريخ، وبين الحدود والهوية. الدولة كيان قانوني تحدده الجغرافيا والدستور، أما الهوية فهي بناء إنساني يتشكل عبر اللغة والثقافة والذاكرة والتجربة المشتركة. ولهذا لا يمكن اختزال الإنسان في حدود رسمت على الخريطة، كما لا يجوز إنكار سيادة الدولة بحجة التاريخ.
قبل عام 2011 كان السودان وجنوب السودان يشكلان دولة واحدة، ثم جاء الاستقلال ليؤسس واقعا سياسيا جديدا. تغيرت الحدود، لكن التاريخ لم يتغير، وولد وطن جديد، لكنه لم يبدأ من فراغ. فما زالت بين الشعبين صلات الدم، والمصاهرة، والثقافة، والأسواق، والنيل، والذاكرة، وهي حقائق لا تلغيها القرارات السياسية، كما أن هذه الحقائق لا تنتقص من استقلال جنوب السودان وسيادته.لهذا أرفض رؤيتين متناقضتين بالقدر نفسه؛ الأولى تختزل جنوب السودان في كونه امتدادا للسودان، والثانية تتعامل مع الاستقلال وكأنه محو كامل للتاريخ المشترك. كلا الموقفين يفتقر إلى الوعي التاريخي. فالاستقلال لا يعني إنكار الماضي، كما أن الاعتراف بالماضي لا يعني إنكار الدولة.أكتب عن السودان لأن السودان ليس بالنسبة لي خبرا خارجيا، بل جزء من فضاء تاريخي وسياسي وإنساني أفهم من خلاله حاضر المنطقة. وأكتب عن جنوب السودان لأنه وطني الذي أنتمي إليه وأحلم بأن أراه مستقرا، عادلا، ودولة مؤسسات وقانون. وفي الحالتين، لا تحركني العاطفة بقدر ما يحركني الإيمان بأن الفكر لا يعرف الحدود الضيقة.
أؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يحمل جواز سفره في عقله، بل يحمل ضميره. فالمثقف لا يقاس بعدد الحدود التي تفصله عن الآخرين، وإنما بقدرته على فهمها وتفسيرها ونقدها. ولذلك فإن اهتمامي بقضايا السودان لا يغير هويتي، كما أن اعتزازي بجنوب السودان لا يدفعني إلى معاداة السودان. فالهوية الواثقة لا تحتاج إلى صناعة عدو كي تثبت وجودها.
رسالتي ليست تصحيح معلومة فحسب، بل دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الهوية. فالهوية ليست شعارا يرفع، ولا تهمة تحتاج إلى نفي، ولا بطاقة تعريف تختصر الإنسان، بل هي وعي بالتاريخ، واحترام للحاضر، وإيمان بالمستقبل.
أنا من جمهورية جنوب السودان، وأعتز بانتمائي إليها، وأؤمن بأن مستقبل وطني لا يصنعه النفط وحده، ولا الثروات الطبيعية وحدها، بل يصنعه الإنسان، والعلم، والعدالة، وسيادة القانون، والقدرة على تحويل التنوع القبلي والثقافي إلى قوة وطنية. كما أؤمن بأن مستقبل السودان وجنوب السودان لا ينبغي أن يبنى على ذاكرة الصراع، بل على حسن الجوار، والتعاون، والمصالح المشتركة، لأن الجغرافيا قد ترسم حدود الدول، لكن التاريخ يصنع ذاكرة الشعوب، والوعي وحده هو القادر على تحويل الماضي إلى درس، لا إلى قيد يمنعنا من صناعة المستقبل.
#زكريا_نمر