إن احترام الدستور وسيادة القانون هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، وأي سلطة، مهما كانت، لا تملك أن تتجاوز حدود الاختصاصات التي رسمها لها الدستور والقانون. وعندما تتحول القرارات الإدارية إلى وسيلة لفرض أعباء مالية على المواطنين دون سند تشريعي، فإن الأمر لا يتعلق بمخالفة إجرائية فحسب، بل يمثل انتهاكًا صريحًا لمبدأ المشروعية الذي يُعد حجر الزاوية في النظام القانوني.
وفي محافظة شبوة، صدر عن السلطة المحلية قرار بفرض رسوم للحصول على تراخيص البناء تبلغ مليوني ريال يمني، يُدفع مليون ريال للبنك المركزي، ومليون ريال لمكتب الأشغال العامة والطرق. وقد انعكس هذا القرار بصورة مباشرة على المواطنين، إذ أثقل كاهلهم بأعباء مالية باهظة، وأدى إلى توقف الكثير منهم عن استكمال بناء مساكنهم، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة.
والأخطر من ذلك أن هذا القرار يفتقر إلى المشروعية الدستورية؛ فالدستور اليمني لم يترك مسألة فرض الضرائب أو الرسوم أو أي تكاليف عامة للاجتهاد الإداري، وإنما جعلها من الاختصاص الأصيل للسلطة التشريعية وحدها. فقد نصت المادة (13) من الدستور على أن إنشاء الضرائب والرسوم أو تعديلها أو إلغائها لا يكون إلا بقانون صادر عن مجلس النواب، كما لا يجوز إلزام أي مواطن بدفع أي رسوم أو تكاليف عامة إلا بناءً على نص قانوني صريح.
وبناءً عليه، فإن أي قرار إداري ينشئ رسوماً جديدة أو يرفع قيمتها دون وجود قانون يجيز ذلك، يكون مشوبًا بعيب مخالفة الدستور والقانون، ويفتقد أحد أهم أركان القرار الإداري، وهو ركن المشروعية، مما يجعله قابلاً للإلغاء أمام القضاء الإداري مع ما يترتب على ذلك من آثار قانونية، وفي مقدمتها رد جميع المبالغ التي تم تحصيلها استنادًا إليه، إعمالًا للقاعدة القانونية المستقرة: "ما بُني على باطل فهو باطل."
ومن هذا المنطلق، فإن المسؤولية الوطنية والمهنية تقتضي من المحامين والقانونيين والقضاة السابقين والأكاديميين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني وكافة النخب الشبوانية توحيد جهودهم لاتخاذ موقف قانوني موحد، يتمثل في إقامة دعوى إدارية أمام المحكمة المختصة للمطالبة بإلغاء هذا القرار، حمايةً للدستور، وصونًا لحقوق المواطنين، وترسيخًا لمبدأ خضوع الإدارة للقانون.
كما أن لكل مواطن أُلزم بدفع هذه الرسوم الحق في اللجوء إلى نيابة الأموال العامة، إذا توافرت أركان الجريمة المنصوص عليها في المادة (164) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (12) لسنة 1994م، باعتبار أن تحصيل أي رسوم أو مبالغ دون سند قانوني قد يترتب عليه مسؤولية جزائية متى توافرت شروطها القانونية، وهو أمر يعود تقديره إلى جهات التحقيق والقضاء.
إن سيادة القانون لا تتحقق بالشعارات، وإنما باحترام النصوص الدستورية، وإخضاع جميع السلطات لأحكامها، وتمكين القضاء من بسط رقابته على كل قرار إداري يخالف القانون. فالدستور ليس نصًا يُستشهد به عند الحاجة، بل هو المرجعية العليا التي تلتزم بها جميع سلطات الدولة دون استثناء. وأي تجاوز لهذه المبادئ يهدد الثقة بمؤسسات الدولة، ويقوض مبدأ المساواة، ويحول السلطة من أداة لخدمة المواطنين إلى وسيلة لفرض أعباء لا يجيزها القانون.
إن معركة مكافحة الفساد ليست معركة أفراد، بل هي معركة مجتمع بأكمله. والصمت على القرارات المخالفة للدستور والقانون لا يؤدي إلا إلى ترسيخ ثقافة التجاوز والإضرار بحقوق المواطنين. ومن هنا، فإن اللجوء إلى القضاء واستخدام الوسائل القانونية المشروعة هو السبيل الحضاري لحماية الحقوق، وترسيخ مبدأ سيادة القانون، وإخضاع الجميع لأحكامه دون استثناء.
فالدولة لا تُبنى بالقرارات المخالفة للقانون، ولا تُدار بفرض رسوم لا سند لها من التشريع، وإنما تُبنى باحترام الدستور، وصيانة حقوق المواطنين، ومحاسبة كل من يتجاوز حدود سلطته. وسيظل القانون هو الفيصل، وستبقى المطالبة بإلغاء كل قرار غير مشروع واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يسقط بالتقادم.
الصحفي صالح حقروص
2026/7/15م