في الآونة الأخيرة أصبحنا نشاهد على منصات التواصل أصوات تتحدث عن أبناء عدن أو غيرهم بمنطق التصنيف والإقصاء وكأن هوية الإنسان تُختزل في أصل أسرته أو منطقته والأكثر غرابة أن بعض هذه الخطابات تصدر ممن يُفترض أنهم يحملون قدرا من الوعي والثقافة.
عدن لم تكن يوما مدينة قامت على نقاء الأصول بل كانت ولا تزال مدينة احتضنت الجميع. فمنذ عقود طويلة استقبلت أبناء مختلف المحافظات واندمجت الأسر وتزاوج الناس وتشكل نسيج اجتماعي لا يمكن اختزاله في سؤال: "من أين أصلك؟"
عندما يدّعي أحد أن أبناء عدن الحقيقيين هم فئة معينة أو أن الآخرين لا ينتمون إليها فإنه يتجاهل تاريخ المدينة وهويتها الجامعة. فالانتماء الحقيقي لا يقاس بالأصل أو اللهجة بل بالعيش فيها وخدمتها واحترام أهلها والإسهام في بنائها.
المؤسف أن بعض من يطرحون هذه الأفكار يفعلون ذلك بنبرة استعلاء ومناطقية وكأن قيمة الإنسان تُقاس بجغرافيا ميلاده. وفي الحقيقة فإن من يبحث دائما عن تصنيف الناس وإقصائهم غالبا ما يعكس أزمة في طريقة نظرته للمجتمع أكثر مما يعكس حقيقة عن الآخرين.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق يبني ولا يهدم ويحترم التنوع بدلا من تحويله إلى سبب للخصومة. فالأوطان لا تُبنى بالمناطقية ولا ينهض المجتمع بخطاب الكراهية وإنما ينهض بالعدالة والأخلاق واحترام الإنسان أيا كان أصله.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صاحب ضمير: هل نريد أن نورث أبناءنا مجتمع يتفاخر بالأصول أم مجتمع يتفاخر بالأخلاق والانتماء والعمل؟