ترددت كثيراً قبل أن أكتب عن فقيد الحركة المسرحية، والسيناريست، والكاتب الصحفي، والأديب الروائي سعيد عولقي، ليس لأن الكلمات تعجز عن رثائه، بل لأن معرفتي الشخصية به جاءت متأخرة، رغم أنني كنت منذ سنوات من أشد المتابعين لعموده الصحفي في صحيفة "الأيام"، ومن أكثر المعجبين بمسرحيته الخالدة "التركة"، ولا سيما الجزء الثاني منها، حيث تشرفت بالمشاركة ضمن فريق إعداد وتجهيز ديكور المسرحية مع المخرج المسرحي القدير الكبير قاسم عمر قاسم .
سعيد عولقي كاتباً استثنائياً، يمتلك قدرة نادرة على التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى أعمال إبداعية تعبر عن الناس وآمالهم وآلامهم. يرسم المشهد السياسي والاجتماعي بذكاء وعمق، ويصوغ الأحداث بلغة قريبة من القلب، لذلك وجد الجمهور نفسه في شخصياته وحكاياته، لأنها خرجت من واقعهم وعادت إليهم أكثر صدقاً وتأثيراً.
ومن أبرز ما ميزه أنه استطاع، في مرحلة كان النظام السياسي فيها شديد الانغلاق أيديولوجياً، أن يفرض حضوره الإبداعي من خلال أعمال مسرحية تنتقد الواقع بأسلوب كوميدي راقٍ، يحمل رسائل عميقة دون صدام مباشر، فكانت مسرحية "التركة" نموذجاً لفن يجمع بين الجرأة والذكاء والقبول الشعبي.
وفي كتاباته الصحفية، سواء في صحيفة "الأيام" أو غيرها، كان يلامس هموم الناس بلغة ساخرة رشيقة، يبعث من خلالها رسائل وطنية وإنسانية عميقة، دون ضجيج أو ادعاء.
أما معرفتي المباشرة به، فقد بدأت عبر "فيسبوك"، ثم توثقت العلاقة عندما انتقل للإقامة في حارتنا عند ابنته الدكتورة. وجدته إنساناً خفيف الظل، واسع الثقافة، يحمل همّ وطنه ومدينته عدن في قلبه. كان كلما تحدث عن عدن القديمة، وعن جمالها وما فقدته خلال سنوات الصراع، شعرت بالألم في صوته قبل كلماته. كان يرى في عدن أكثر من مدينة؛ كان يراها ذاكرة وهوية وحياة تستحق أن تستعاد.
لا يمكن الحديث عن الثقافة، أو المسرح، أو الصحافة، أو الأدب في عدن دون أن يحضر اسم سعيد عولقي بوصفه أحد أبرز رموزها وصناع نهضتها الثقافية. لقد كان قامة إبداعية متعددة المواهب، ترك بصمة ستبقى حاضرة في وجدان الأجيال.
رحل سعيد عولقي جسداً، لكنه بقي فكراً، ورواية، ومسرحاً، وكلمة صادقة. وما زالت كتاباته، حتى آخر ما نشره على صفحته في "فيسبوك" عن حياته وحياة عدن، تُقرأ بشغف، وستظل شاهدة على زمن جميل، ومصباحاً يهتدي به كل من يريد أن يعرف عدن كما أحبها وعاش لها.
رحم الله الأديب الكبير سعيد عولقي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان. وإنا لله وإنا إليه راجعون
احمد حميدان