باقي بنجم الصلم 3 أيام، ومن الأحد القادم أول أيام نجم العلب الخريفي..
يكاد ينتهي نجم الصلم، لا صلمنا ولاذرينا ذرة ،بل ظُلمنا بالجدبة والقحط والجفاف أعوذ بالله من السنين المجدبة العجاف.
سنين الجوع والجفاف التي طالت واستطالت، كنا نظنها ستكون سبع سنين عجاف فقط كالسنين العجاف التي ضربت شعب مصر في زمن الفراعنة، وحكى عنها القرآن الكريم بقصة نبي الله يوسف... سبع سنين عجاف أكلت السبع السمان. أما لدينا فـ 12 سنة عجاف أكلت 50 سنة سمان..
لم نكن نحلم حتى في ذروة كوابيسنا أننا سنعيش حتى يأتي زمن تسقط فيه دولتنا ويتمزق يمنا الكبير إلى دويلات ضعيفة مرتهنة للخارج هزيلة، ويتحكم في مصائر أربعين مليون يمني ويمنية الأجانب والغرباء، ويعود فيه الجوع والقحط والجفاف والتصحر..
وتجف فيه الآبار، وتموت الثمار والزرع والأشجار، وتصير أرض السعيدة قاحلة جرداء خاوية على عروشها، والسماء تحبس قطرها... وتمر السنة تلو الأخرى ولا ينزل الغيث والأمطار الموسمية، ويفوت الصيف ويخلف وتتهاوى نجوم الخريف والسماء مشرقة شمس ونود ولا زنينة مطر...
والناس هالكون عاطشون والبهائم والبشر ماتوا من الجوع والعطش والحر والقيظ..
وباقي أيام معدودة ويدخل نجم العلب علباها، وبعده سهيل رباها، ويلحقه الروابع أمها وأباها...
والارض عطشى؛ لا ذرة ولا بُر ولا شعير ولا بلسن.. وآبارنا الارتوازية جفت ونضبت وأصبح ماؤها غوراً.. وعنبنا ماتت وجفت حبلاته، ومعها ماتت قلوبنا من الحزن والكمد والقهر..
كانت السنة أربعة فصول؛ ربيع معتدل ممطر، وصيف قائظ، وخريف معتدل ممطر به موسم العنب اليمني والاعتدال الخريفي، وشتاء بارد برد معقول.. أما هذه السنوات العجاف التي عشناها ونعيشها فقد تحولت السنة إلى فصلين فقط:
صيف قائظ جاف ساخن خانق جادب قاحل مشمس، وشتاء بارد قارس مقرف... لا عاد اعتدال ربيعي ولا خريفي، ولا أمطار ولا سمن وذرة وبُر!
قبل أسبوعين طرق بابي أخي عارف وابنه عبدالسلام وهم حزانى مكسورون، إثر حادث مروري وقع لهم أثناء ذهابهم إلى المستشفى لعلاج ابن أخي عارف؛ صدمهم صاحب شاص مقوت والسيارة بالورشة. أذهلتني صورة عارف؛ وجه مسود كظيم حزين واشتعلت ذقنه شيباً وبدا مهموماً شاحب الوجه وجسده هزيل..
فقلت له: مالك يا أخي صلي على رسول الله، مالك هرمت وشيبت وجسدك نحل؟!
فرد لي بنبرة حزينة مكسورة: العنب يا صنو ميت من العطش ولا اسقيناه ولا نيط، البير جفت ومابش معنا فلوس نشتري قاطرات نسقيه، وجدبه وجوع وجفاف وجحر ما قد عرفناه، قد بلادنا أحمى من باجل ولا عاد تجد خضيرة.. صحراء! وقلبي بيوجعني على حبلات العنب يابسات يخزقن القلب وقد هن تعب عمري...
شعرت بوجعه وقهره وكمده لأني أعرف شعور الفلاحين عندما يرون أشجار كرومهم تموت من العطش أمام أعينهم وهم عاجزون عن سقيها؛ يشعرون أنهم فقدوا جزءاً من أرواحهم وحياتهم لأن أشجارهم وأرضهم لا تقل حناناً وحباً عن أولادهم.. زادت أوجاعي وأحزاني فوق ما قد في قلبي من أحزان...
لقد انطبقت علينا كشعب يمني الآية الكريمة:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ.
ولا قوة إلا بالله!
عبدالوهاب قطران