الدور الغائب للسفارات اليمنية:أزمة الطائرة الإي..رانية نموذجا

قبل ساعتين


عادل الشجاع
بقلم: عادل الشجاع
ارشيف الكاتب

ليس أخطر على الدول من أن تفقد حدودها، بل أن تفقد هيبتها. وهيبة الدولة لا تقاس بما ترفعه سفاراتها من أعلام، وإنما بما تبعثه من احترام، وما تؤديه من رسالة، وما تمنحه لمواطنيها من شعور بأن لهم وطنا يقف خلفهم أينما كانوا.


لكن ما الذي بقي من هذه الرسالة في كثير من السفارات اليمنية؟


لقد تحولت، في نظر آلاف اليمنيين من واجهات للدبلوماسية إلى جدران صامتة، ومن مؤسسات وجدت لخدمة المواطن إلى مؤسسات تتقن إذلاله. يدخلها اليمني مثقلا بغربة المنافي، فلا يجد إلا غربة أخرى داخل مؤسسات بلاده، وكأن المأساة اليمنية لم تعد تقف عند حدود انقلاب المليشيات، بل امتدت إلى مؤسسات الشرعية نفسها..


أي مفارقة هذه؟


دولة تخوض معركة لاستعادة مؤسساتها من الانقلاب، بينما مؤسساتها في الخارج تتآكل من الداخل بفعل الجمود والمحسوبية وغياب المحاسبة..اشتعلت أزمة الطائرة الإيرانية واختراقها للسيادة اليمنية ولم نسمع تصريحا أو مؤتمرا إعلاميا لأي من سفاراتنا المنتشرة في أغلب بلدان العالم..


في الوقت الذي كانت فيه اليمن بحاجة إلى دبلوماسية تطرق أبواب العالم، وتدافع عن قضيتها، وتحشد التأييد لاستعادة الدولة، انشغلت كثير من بعثاتها بإدارة الامتيازات، وحسابات النفوذ، والصراعات الداخلية، حتى غاب الصوت اليمني، وخفت الحضور، وأصبحت السفارات تؤدي الحد الأدنى من الأعمال الإدارية، بينما غابت عنها الرسالة الوطنية التي أنشئت من أجلها..


كيف يمكن تفسير بقاء سفراء في مواقعهم لأكثر من عشر سنوات، حتى أصبح سفراء الدول الأخرى يشتكون منهم لاحتكارهم عمادة السلك الدبلوماسي في الدول المضيفة بحكم الأقدمية؟!.


الأدهى من ذلك أن بعض السفراء، لطول بقائهم، أصبحوا يتصرفون وكأن السفارة ملك شخصي، حتى إن بعضهم، عند سفره، يسلم إدارة البعثة للمسؤول المالي، متجاوزا السفير المفوض الذي منحه القانون هذا الاختصاص. السفير عادل با حميد نموذجا، كلف المسؤل المالي لإدارة البعثة بدلا عن السفير المفوض..


ولعل المتابع للتعيينات الأخيرة، وخاصة في الملحقيات المالية، يدرك أن موازين القوة داخل السفارات لم تعد تقاس بالخبرة الدبلوماسية ولا بالأقدمية القانونية، وإنما بالنفوذ المالي. حتى أصبح المسؤول المالي، في بعض الحالات، أكثر تأثيرا من السفير المفوض، وكأن المال أصبح أعلى سلطة من القانون..


وحين يصل الخلل إلى هذه المرحلة، فإن القضية لم تعد قضية موظف أو سفير، بل قضية دولة تدار مؤسساتها خارج قواعدها..


وفي الجهة الأخرى من الصورة يقف سفراء أُقصوا منذ عام 2014، وما زالت أسماؤهم تراوح مكانها في كشوف التظلمات، ينتظرون عدالة لم تأتِ، وإنصافًا طال غيابه. سنوات تمر، ولا قرار يُعيد الحقوق إلى أصحابها، بينما يستمر من تجاوزتهم المدة القانونية في مواقعهم دون مساءلة أو مراجعة..


أي عدالة هذه؟


وأي إصلاح يمكن أن يُبنى فوق هذا الاختلال؟


لقد بدأ الدكتور شائع الزنداني، عندما تولى وزارة الخارجية، مشروعا للإصلاح وإعادة الهيكلة، وواجه مقاومة من مراكز نفوذ كانت ترى في الإصلاح تهديدا لمصالحها. ومع ذلك مضى في المشروع، وحقق خطوات أعادت شيئا من الأمل..


أما اليوم، وقد أصبح رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية معا، فإن كل المبررات التي كانت تقال بالأمس سقطت' فإذا كان الإصلاح قد تعثر سابقا بسبب ضعف الصلاحيات، فما الذي يعطله اليوم؟.وإذا كانت مراكز القوى هي من كانت توقف عجلة التغيير، فمن الذي يوقفها الآن؟.


ويبقى السؤال الذي لن يستطيع أحد الهروب منه:


هل يمتلك الدكتور شائع الزنداني الإرادة ليكتب اسمه بوصفه الرجل الذي أعاد للدبلوماسية اليمنية هيبتها، أم أن مشروع الإصلاح سيلتحق هو الآخر بقائمة المشاريع التي هزمتها مراكز النفوذ؟.


فاللحظات الفاصلة في حياة الدول لا تصنعها الخطب، وإنما تصنعها القرارات… والتاريخ لا يرحم من امتلك القدرة على الإصلاح ثم آثر الصمت..