لم تكن زيارتي إلى مطارح الكرامة في منطقة الريان بمحافظة الجوف مجرد تغطية صحفية لحدث قبلي، بل كانت فرصة لمعايشة حالة اجتماعية ووطنية يصعب اختزالها في خبر أو تقرير.
فمنذ وصولي إلى مطارح الكرامة في منطقة الريان، كان المشهد يتجاوز كونه تجمعاً قبلياً عابراً؛ إذ بدا وكأنه لحظة تاريخية تستعيد فيها القبيلة اليمنية دورها التقليدي في نصرة المظلوم والدفاع عن الكرامة. فهناك تدفق يومي كبير لوفود قبلية قادمة من مختلف المحافظات، في مشهد يعكس حجم التفاعل الشعبي مع دعوة النكف القبلي.
ما إن تنتهي من كتابة منشور أو تحرير خبر عن وصول قبيلة حتى تخفق راية حمراء أخرى على الأفق، وكأن قوافل اليمن لا تنقطع. وفود من الجوف ومأرب، و حضرموت وتعز، أبين، و ريمة، و وصاب و الحديدة وغيرها، كأنها أنهار سبع تصب في بحر واحد لا تعرف حدودا ولا تفرق بين جنوب وشمال، في صورة تعكس قدرة القبيلة اليمنية على التعبئة عندما تمس القضية وجدان المجتمع.
أكثر ما لفت انتباهي لحظة وصول القبائل إلى المطارح. تتحرك المواكب بكامل عدتها وعتادها من الأطقم والأسلحة والقعود، ويغطي غبارها الصحراء حتى يكاد يصعد إلى السماء من كثافته. تصطف الأطقم في مشهد منظم، ثم يترجل الرجال ليعلنوا وصولهم بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، قبل أن يصطفوا صفوفاً متراصة كالبنيان المرصوص، ويرددوا الزوامل التي تمجد الأخوة والكرامة والقبيلة، وتؤكد وحدة الصف والوقوف مع الحق.
بعد ذلك تستقبلهم قبيلة دهم، فيسود مشهد من الترحيب والسؤال عن الأحوال، ثم يتقدم شيخ القبيلة الوافدة بكلمة قصيرة يعلن فيها التحاق قبيلته بالمطارح حتى تحقيق أهدافها، قبل الانتقال إلى خيمة الاستقبال للقاء كبار المشايخ.
داخل خيام المشايخ تشعر وكأنك تشاهد صفحة من التاريخ اليمني. أو مسلسل تلفزيوني تاريخي رجال بملابسهم اليمنية التقليدية، بالثوب والجنبية والعمامة والبندقية، وحديثهم يدور حول الأخوة والكرامة والوطن والأعراف القبلية، بعيداً عن لغة السياسة والخلافات الحزبية.
ويُخصص لكل قبيلة موقع لإقامة خيامها، مع بقاء عدد من أفرادها ممثلين عنها داخل المطارح، بينما يعود الآخرون إلى مناطقهم. هذا التنظيم أوجد مساحة واسعة للتعارف والتواصل بين قبائل اليمن المختلفة، ورسخ روح الشراكة بين الجميع.
كما لفت نظري الحس الأمني العالي داخل المطارح؛ فهناك نقاط حراسة وتنظيم للداخل والخارج، وإدارة واضحة للحركة، بما يعكس انضباطاً ملحوظاً. والهوية السائدة هي الهوية اليمنية والقبلية، فلا تكاد تسمع حديثاً سياسياً بقدر ما تسمع حديثاً عن الكرامة والوطن ونصرة المظلوم.
ومن خلال جولتنا في المطارح ولقاءاتنا بالقبائل الوافدة، وبفرق الإسناد والخدمات، بدا المكان أشبه بكتلة متحركة من الحماس. الجميع، من الشباب إلى الشيوخ، يتحدثون عن الكرامة والعزة والوطن، وعن الاستعداد للتضحية، فيما تبدو المعنويات مرتفعة بصورة لافتة.
القضية التي انطلقت منها هذه المطارح تجاوزت إطارها الأول، إذ بدأت على خلفية قضية ميرا صدام حسين، قبل أن تتحول إلى حراك قبلي واسع ضد ما يعده المشاركون سياسات للإذلال والإخضاع. وكانت حادثة كسر جفن الجنبية إحدى اللحظات التي أثارت وجدان كثير من اليمنيين، وأسهمت في توسيع دائرة التفاعل الشعبي.
وفي اليوم الثاني من وجودنا بالمطارح، اتضح أن الحراك لم يعد مجرد تجمع احتجاجي، بل أخذ يتطور إلى كيان أكثر تنظيماً، مع الإعلان عن تشكيل قيادة لمعركة الكرامة، واختيار عدد من القادة من قبائل دهم والمرازيق، في مؤشر على قدرة القبيلة اليمنية على التنظيم الذاتي استناداً إلى أعرافها وتقاليدها المتوارثة.
وبرز الشيخ حمد بن فدغم بوصفه أحد أبرز الوجوه في هذه المرحلة، إلا أن ما لمسته من خلال اللقاءات أن القرارات لا تُتخذ بصورة فردية، وإنما بعد التشاور بين مشايخ القبائل المجتمعين في المطارح، وهو ما يعكس الطبيعة الجماعية للقرار القبلي.
ويبدو اختيار منطقة الريان لإقامة المطارح قراراً مدروساً؛ فالموقع الصحراوي الواسع يسمح باستقبال الأعداد الكبيرة من القبائل القادمة من مختلف المحافظات، كما يراعي الجوانب الأمنية للمناطق المجاورة، وفي مقدمتها محافظة مأرب ومنطقة صافر.
خرجت من هناك والرمال ماتزال علاقة في ثيابي روحي ماتزال مخضبة لتلك المشاهد، خرجت من هذه الزيارة بانطباع واضح؛ وهو أن القبيلة اليمنية، رغم سنوات الحرب والانقسامات، ما تزال تحتفظ بتماسكها وقدرتها على الاجتماع عندما يتعلق الأمر بالكرامة ونصرة المظلوم. كما لمست تمسكاً واضحاً بالأعراف القبلية المرتبطة بالنصرة ورفع المظالم، ورغبة كبيرة لدى الناس في استعادة وحدة الصف والتكاتف.
لقد رأيت تعطشاً للتحرير، واستعداداً للبذل والعطاء، ومعنويات مرتفعة لدى المشاركين، حتى إن مشاهد الحماس أعادت إلى الذاكرة أيام معارك تحرير مأرب والجوف، حين كان الإيمان بالقضية هو الوقود الحقيقي للمقاتلين.
ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من هذه التجربة أن مطارح الكرامة لم تعد مجرد مكان للتجمع، بل أصبحت رمزاً لحالة اجتماعية وقبلية واسعة، أعادت إبراز القبيلة بوصفها فاعلاً مؤثراً في المشهد اليمني، وقد تكون محطة فارقة في فهم التحولات التي يشهدها المجتمع اليمني اليوم.
__________________
- نقلا من موقع الهدهد