لماذا تفشل التنظيمات الإسلامية كلما اقتربت من السلطة؟

قبل ساعة


زكريا نمر
بقلم: زكريا نمر
ارشيف الكاتب

على امتداد القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، أصبحت التنظيمات الإسلامية واحدة من أهم الفواعل السياسية في العالم العربي والإسلامي. فمنذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وما تبعه من صعود الدولة الوطنية الحديثة، برزت عشرات الحركات الإسلامية التي رفعت شعار الإسلام هو الحل، وقدمت نفسها بوصفها بديلا أخلاقيا وسياسيا للأنظمة القومية والاشتراكية والليبرالية التي فشلت في تحقيق التنمية والعدالة والحرية. واستطاعت هذه التنظيمات أن تحشد ملايين المؤيدين، وأن تنشئ مؤسسات دعوية وتعليمية وخيرية واسعة، وأن تصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية في دول عديدة مثل مصر والسودان والجزائر وتونس والمغرب والأردن وتركيا وغيرها.


ورغم هذا الحضور الشعبي والتنظيمي، فإن حصيلة هذه الحركات في الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها أو بناء دولة مستقرة تبدو متواضعة مقارنة بحجم طموحاتها. فبعضها تعرض للقمع قبل أن يصل إلى الحكم، وبعضها وصل عبر الانتخابات ثم أطيح به، وبعضها شارك في السلطة لكنه فقد شعبيته، وبعضها تحول إلى تنظيمات مغلقة فقدت قدرتها على التجديد. ويبرز السؤال: لماذا تتكرر هذه النهايات؟ هل لأن هذه التنظيمات لا تمتلك أيديولوجيا سياسية حقيقية؟ أم لأن الدين يتحول في بعض التجارب إلى أداة لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي يفتقر إلى رؤية حديثة للدولة؟


الإجابة لا يمكن أن تكون بسيطة أو أحادية. فليس صحيحا أن جميع التنظيمات الإسلامية متشابهة، كما أنه ليس صحيحا أن فشلها يعود إلى عامل واحد. غير أن القراءة النقدية تكشف أن الأزمة أعمق من مجرد الصراع مع الأنظمة أو التدخلات الخارجية، إذ ترتبط أيضا بطبيعة الفكر السياسي الذي تتبناه هذه التنظيمات، وبقدرتها المحدودة على التكيف مع مفهوم الدولة الحديثة.من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن التنظيمات الإسلامية تفتقر إلى الأيديولوجيا. والحقيقة أنها تمتلك أيديولوجيا واضحة، لكنها تختلف عن الأيديولوجيات الحديثة. فهي تقوم على تصور ديني وأخلاقي للمجتمع، وترى أن الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل نظام شامل للحياة يشمل السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة. ومن هذا المنطلق تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق فهمها للشريعة الإسلامية.غير أن امتلاك الأيديولوجيا لا يعني بالضرورة امتلاك مشروع دولة. فالأيديولوجيا تحدد الغايات والقيم، لكنها لا تقدم وحدها آليات الإدارة أو السياسات الاقتصادية أو النظم الإدارية أو أدوات إدارة التعقيد الذي يميز الدولة الحديثة. ولهذا تظهر الفجوة بين الخطاب العقائدي ومتطلبات الحكم بمجرد انتقال الحركة من المعارضة إلى السلطة.


لقد نشأت أغلب التنظيمات الإسلامية في ظروف استثنائية، حيث الاحتلال الأجنبي أو الأنظمة العسكرية أو الاستبداد السياسي. ولذلك انصب اهتمامها على مقاومة السلطة القائمة، وتربية الأفراد، وبناء التنظيم، والحفاظ على الهوية الإسلامية. ولم يكن لديها الوقت الكافي أو البيئة المناسبة لتطوير نظريات متقدمة في الاقتصاد، والإدارة العامة، والسياسات الاجتماعية، والعلاقات الدولية، وإدارة المؤسسات. وهكذا أصبح التنظيم قويا في التعبئة السياسية، لكنه أقل خبرة في إدارة الدولة.و يمكن فهم سبب تكرار ظاهرة الانتقال الصعب من الدعوة إلى الدولة. فالدعوة تقوم على نشر القيم، بينما تقوم الدولة على إدارة المصالح المتعارضة. والداعية يبحث عن المثال الأخلاقي، أما رجل الدولة فيتعامل مع الممكن السياسي. وبين المجالين مسافة كبيرة لا يمكن تجاوزها بالشعارات وحدها.وتتمثل إحدى أكبر المشكلات في الخلط بين الدين والسياسة. فالإسلام يقدم منظومة قيم عليا كالعدل والشورى والأمانة والرحمة وحفظ الحقوق، لكنه لا يفرض نموذجا دستوريا واحدا صالحا لكل العصور. ولذلك فإن معظم النظم السياسية عبر التاريخ الإسلامي كانت اجتهادات بشرية تأثرت بظروفها التاريخية أكثر مما كانت تطبيقا حرفيا لنصوص دينية. لكن بعض التنظيمات تتعامل مع اجتهاداتها السياسية بوصفها امتدادا مباشرا للدين، فتتحول معارضتها إلى معارضة للدين في نظر أنصارها، ويتحول نقدها إلى نوع من التشكيك في الإسلام نفسه. وهنا تصبح السياسة مجالا مقدسا، بينما الأصل أنها مجال للاجتهاد والخطأ والصواب.


وتزداد المشكلة عندما يتحول الشعار الديني إلى أداة لحشد الجماهير دون أن يصاحبه برنامج سياسي واقتصادي واضح. فالجماهير قد تتأثر بالشعارات الأخلاقية، لكنها في النهاية تحاسب الحكومات على الأسعار، وفرص العمل، والتعليم، والصحة، والأمن، وجودة الخدمات. وعندما تعجز السلطة عن معالجة هذه الملفات، لا تكفي الشعارات للحفاظ على الثقة الشعبية.كما أن التنظيمات الإسلامية غالبا ما تعاني من هيمنة الثقافة التنظيمية على الثقافة المؤسسية. فهي تعتمد على الانضباط الداخلي، والطاعة، والسرية، والتراتبية التنظيمية، وهي خصائص قد تكون مفيدة أثناء العمل السري أو المعارض، لكنها تصبح عبئا عندما تنتقل إلى إدارة دولة تقوم على الشفافية، والمساءلة، وتعدد مراكز القرار، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام.ويلاحظ أيضا أن بعض هذه التنظيمات تخلط بين الولاء التنظيمي والكفاءة المهنية، فتمنح المناصب على أساس الانتماء أكثر من الخبرة. وهذه المشكلة ليست حكرا على الإسلاميين، بل تعاني منها أحزاب كثيرة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تقترن بخطاب ديني يمنح القيادة شرعية أخلاقية تجعل مساءلتها أكثر صعوبة.


ومن الجوانب التي تستحق النقد أن كثيرا من الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية اهتمت بمسألة "من يحكم؟" أكثر من اهتمامها بسؤال "كيف يحكم؟". فالصراع انصب على هوية الحاكم ومرجعيته الدينية، بينما أهملت قضايا بناء المؤسسات، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات، والرقابة المالية، والإدارة الحديثة، وهي العناصر التي أثبتت التجارب العالمية أنها أساس نجاح الدول. و التجارب المختلفة تقدم شواهد متعددة على ذلك. ففي السودان، وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، ورفعوا شعارات المشروع الحضاري والدولة الإسلامية، لكن التجربة انتهت بأزمات اقتصادية خانقة، وحروب أهلية، وعزلة دولية، وانقسامات داخلية، ثم سقوط النظام بعد ثلاثة عقود. ولم يكن السبب مجرد العقوبات الخارجية، بل أيضا ضعف الإدارة، وتسييس مؤسسات الدولة، وغياب الإصلاح المؤسسي.


وفي مصر، وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر انتخابات بعد ثورة 2011، لكن التجربة واجهت استقطابا سياسيا حادا، وصراعا مع مؤسسات الدولة، وأخطاء في بناء التحالفات، وانتهت بالإطاحة بهم بعد عام واحد. وقد لعبت عوامل داخلية وخارجية دورا في ذلك، مما يجعل تفسير التجربة بعامل واحد غير كاف.أما في تونس، فقد قدمت حركة النهضة نموذجا مختلفا، إذ اتجهت تدريجيا إلى الفصل بين النشاط الدعوي والعمل السياسي، وقبلت بالتوافق مع خصومها، لكنها واجهت أيضا تحديات اقتصادية وسياسية أثرت على شعبيتها، وانتهت إلى تراجع نفوذها مع تغير المشهد السياسي. و كثيرا ما يشار إلى التجربة التركية باعتبارها نموذجا ناجحا نسبيا، لكن نجاحها لم يكن نتيجة تطبيق برنامج ديني خالص، بل ارتبط بعوامل اقتصادية ومؤسسية وسياسية معقدة، كما أن الحزب الحاكم قدم نفسه بوصفه حزبا محافظا ديمقراطيا أكثر من كونه حركة إسلامية تقليدية.وتكشف هذه الأمثلة أن النجاح أو الفشل لا تحدده المرجعية الدينية وحدها، بل تحدده القدرة على بناء مؤسسات قوية، وتحقيق التنمية، وإدارة التنوع، واحترام القانون، والتعامل الواقعي مع المجتمع والدولة.ولا يمكن كذلك تجاهل أثر البيئة السياسية. فكثير من التنظيمات الإسلامية واجهت أنظمة استبدادية منعت المنافسة السياسية، أو تدخلات إقليمية ودولية خشيت من وصولها إلى السلطة، أو مؤسسات عسكرية وأمنية احتفظت بنفوذها. ولذلك فإن جزءا من تعثر هذه التنظيمات يعود إلى طبيعة البيئة السياسية، وليس إلى أخطائها وحدها.


لكن في الوقت نفسه، فإن تعليق جميع الإخفاقات على المؤامرات الخارجية يعيق المراجعة الفكرية. فالنقد الذاتي شرط أساسي لأي مشروع سياسي يريد الاستمرار. والتجارب التي لا تعترف بأخطائها محكوم عليها بتكرارها.وتبرز أيضا أزمة العلاقة مع مفهوم الدولة الوطنية. فبعض التنظيمات تنظر إلى الدولة باعتبارها مرحلة مؤقتة في مشروع أوسع يتجاوز الحدود الوطنية، بينما تقوم الدولة الحديثة على المواطنة والسيادة والمؤسسات الوطنية. وهذا التوتر يجعل العلاقة بين المشروع الإسلامي والدولة الوطنية علاقة معقدة في بعض السياقات.كما أن بعض الحركات لم تطور فهما متماسكا للتعددية الدينية والثقافية والسياسية. فهي تقبل بالتعددية عندما تكون في المعارضة، لكنها تجد صعوبة في تحويلها إلى مبدأ دائم عندما تصبح في السلطة. والديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل منظومة كاملة تشمل تداول السلطة، وحماية الحقوق، واحترام المعارضة، واستقلال المؤسسات.وتؤكد التجارب المعاصرة أن الدولة الحديثة لا تبنى بالهوية وحدها، بل تبنى أيضا بالمعرفة والخبرة والمؤسسات. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها لم تحقق نهضتها لأنها رفعت شعارات أيديولوجية جذابة، وإنما لأنها استثمرت في التعليم والإدارة والبحث العلمي وسيادة القانون.


إن الأزمة الأساسية لبعض التنظيمات الإسلامية ليست في ضعف الإيمان، ولا في نقص الحماس، ولا حتى في غياب الأيديولوجيا، وإنما في الفجوة بين الخطاب الأخلاقي وآليات الحكم الحديثة. فالدولة اليوم منظومة معقدة تشمل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأسواق العالمية، والتكنولوجيا، والحوكمة، والإدارة العامة، والسياسات البيئية، والعلاقات الدولية، وهي مجالات تحتاج إلى معرفة متخصصة لا تكفي فيها الشعارات أو النوايا الحسنة. فإن مستقبل أي حركة ذات مرجعية إسلامية لن يتحدد بقدرتها على تكرار الشعارات القديمة، وإنما بقدرتها على مراجعة تراثها السياسي، والتمييز بين المقدس والاجتهاد البشري، وبناء برامج واقعية قابلة للتطبيق، واحترام الدولة الدستورية، والإيمان بأن الشرعية لا تقوم فقط على الدين أو الانتخابات، بل أيضا على الكفاءة والشفافية والعدالة وسيادة القانون.


إن السؤال الحقيقي ليس هل التنظيمات الإسلامية تمتلك أيديولوجيا؟ بل هل تستطيع إنتاج نظرية سياسية حديثة تتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة مدنية معقدة، لا مجرد امتداد للعمل الدعوي؟ وحتى يتحقق ذلك، ستظل كثير من هذه التنظيمات تدور في الحلقة نفسها؛ تحقق حضورا جماهيريا واسعا، لكنها تجد صعوبة في تحويل هذا الحضور إلى مشروع دولة مستدام، لأن إدارة الدول لا تعتمد على قوة العقيدة وحدها، وإنما على قوة المؤسسات، وعمق المعرفة، وقدرة السياسة على التكيف مع الواقع المتغير.


#زكريا_نمر