عدن تُسقط رهانات التفكيك

قبل ساعة


علي محمد سيقلي
بقلم: علي محمد سيقلي
ارشيف الكاتب

لم تعد خيوط المشهد خافية كما كانت في السابق، فكلما انكشف جانب من التحركات السياسية والأمنية، ظهرت معه ملامح مشروع يستهدف الجنوب من بوابة عدن، المدينة التي كانت وما تزال الحاضنة الجامعة لكل أبناء الجنوب، والعاصمة التي لم تُغلق أبوابها يوماً في وجه أي محافظة جنوبية.

لقد وصلت، بحسب معلومات متداولة، تعليمات إلى بعض أدوات ما يُعرف بـ"اللجنة الخاصة"، تدعو إلى التركيز على ما يسمى "خصوصية عدن"، والعمل على فصلها عن بقية محافظات الجنوب، في محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وإقناع الناس بأن لعدن مساراً مختلفاً عن مسار الجنوب. وهي محاولة لا تستهدف عدن بقدر ما تستهدف القضية الجنوبية نفسها، عبر ضرب وحدتها من الداخل.

غير أن هذه الحسابات اصطدمت بحقيقة لم يدركها أصحابها؛ فعدن لم تكن يوماً مدينة منفصلة عن محيطها، ولم يكن أبناؤها في خصومة مع أبناء لحج أو أبين أو الضالع أو شبوة أو حضرموت أو المهرة أو سقطرى، بل كانت دائماً بيتاً للجميع، وعنواناً لوحدة المصير.

وفي موازاة ذلك، جاء انكشاف الدور السعودي في تمرير صفقة الأسرى، وما رافقها من الإفراج عن أشخاص صدرت بحق بعضهم أحكام قضائية في قضايا اغتيالات وإرهاب، ليضيف مزيداً من علامات الاستفهام حول طبيعة الترتيبات التي تُدار بعيداً عن أعين الرأي العام، وحول الجهات المستفيدة من إعادة تدوير هذه الملفات.

وكان الرهان الأكبر، كما يبدو، هو استثمار هذه التطورات لإشعال فتنة جنوبية ـ جنوبية، وإغراق الشارع في صراعات جانبية تستهلك طاقته وتُبعده عن قضيته الأساسية. إلا أن الصدمة كانت كبيرة، حين فشلت الأدوات التي أُنيط بها تنفيذ هذا الدور في تحقيق أهدافها، بعدما اصطدمت بوعي شعبي أدرك مبكراً طبيعة اللعبة ومن يقف خلفها.

وتفيد المعلومات المتداولة أيضاً بأن الجهات التي تقود هذا المسار تلقت رسائل واضحة من شخصيات قريبة منها، تؤكد أن الرهان على سلخ عدن عن مشروع الجنوب قد انتهى إلى الفشل، وأن المدينة لن تكون بوابة لتمرير أي مشروع ينتزعها من هويتها الجنوبية أو يحولها إلى كيان منفصل عن محيطها الوطني. كما حملت تلك الرسائل تحذيراً من أن أي محاولة للمضي في هذا الاتجاه لن تؤدي إلا إلى مزيد من التماسك بين الجنوبيين، وأن الشارع لم يعد كما كان، ولم يعد يقبل بسياسات التفريق وإعادة إنتاج الوصاية.

لقد تغير الجنوب، وتغيرت معه معادلات القوة والوعي. ولم يعد ممكناً إدارة المشهد بالعقلية القديمة، أو الاعتقاد بأن المال أو النفوذ أو الأدوات المحلية قادرة على فرض وقائع تتناقض مع الإرادة الشعبية.

إن عدن ليست مدينة قابلة للمساومة، ولا ورقة يمكن استخدامها في صفقات السياسة. إنها قلب الجنوب النابض، واستهدافها هو استهداف لكل الجنوب، كما أن الدفاع عنها هو دفاع عن المشروع الوطني الجنوبي بأكمله.

ولذلك، فإن كل الرهانات على تفكيك الجنوب من بوابة عدن تبدو اليوم أقرب إلى أوهام سياسية منها إلى خطط قابلة للتنفيذ، لأن الشعوب قد تخدعها الدعاية لبعض الوقت، لكنها لا تتخلى عن هويتها، ولا تفرط بقضيتها حين تدرك حجم المؤامرة التي تستهدفها.