لا بـد أن لا ندمـن هـذا الواقـع

قبل ساعة


د.هاني بن محمد القاسمي
بقلم: د.هاني بن محمد القاسمي
ارشيف الكاتب



ليـست المشكلة الكبرى أن يطول أمد الأزمات، وإنما أن يعتادها الناس حتى تصبح جزءًا من حياتهم، وأن يتكيف معها صناع القرار حتى يغدو استمرارها أمرًا طبيعيًا لا يستدعي الاستنفار.


وحيـن يصل الوطن إلى هذه المرحلة، يصبح الخطر الحقيقي ليس في الأزمة ذاتها، بل في الإدمان عليها؛ لأن إدمان الواقع المؤلم يقتل روح المبادرة، ويطفئ جذوة الإصلاح، ويجعل الحديث عن البناء والتعمير يبدو وكأنه حلم بعيد المنال.


والوطـن اليـوم، أحوج ما يكون إلى كسر هذه الحلقة المفرغة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن استنزاف الحاضر إلى الاستثمار في المستقبل.


فـلا وطـن ينهض بالخلافات المستدامة، ولا شـعب يستحق أن يبقى رهينةً لحسابات السياسة، بينما تتسع دائرة المعاناة يومًا بعد آخر.


لـقد آن الأوان لأن ندرك أن الأوطان لا تُبنى بإدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما تُبنى بصناعة الحلول، وإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتغليب الحكمة على الانفعال، والمصلحة العامة على المصالح الضيقة.


فـ استـمرار الانقسام السياسي لا يورث إلا مزيدًا من التمزق المجتمعي، ويستنزف مقدرات الوطن، ويضاعف معاناة المواطن الذي لم يعد يبحث عن الرفاهية، بل عن حقه الطبيعي في حياة آمنة وكريمة.


إن الوطـن يمتلك من المقومات ما يجعله قادرًا على تجاوز محنته؛ فهو يزخر بالطاقات البشرية، والثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والإرث الحضاري العريق؛ غير أن هذه المقومات ستظل حبيسة الإمكانات ما لم تتحول الإرادة السياسية إلى إرادة وطنية صادقة، تتجه نحو البناء والتعمير، وتغادر مربع الصراع إلى فضاء التنمية والاستقرار.


إن المرحـلة الراهنة تستدعي من جميع الفرقاء السياسيين أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية التاريخية، وأن يبحثوا عن مساحة مشتركة يلتقون فيها على كلمة سواء، بعيدًا عن منطق الغلبة والإقصاء، وقريبًا من منطق الشراكة الوطنية.


فـ الحـوار ليس تنازلًا، بل هو قمة النضج السياسي، وهو الطريق الأقصر لإنقاذ الوطن، والأقل كلفة على الجميع، وما من خلاف سياسي يستحق أن يدفع المواطن ثمنه من أمنه، ورزقه، وتعليمه، وصحته، ومستقبل أبنائه.


إن بنـاء الأوطـان يبدأ ببناء الثقة قبل بناء الطرق والجسور، ويبدأ بإصلاح المؤسسات قبل تشييد المباني، ويبدأ بسيادة القانون قبل اتساع العمران؛ فـلا تنمية حقيقية في ظل

الانقسام، ولا استثمار في بيئة مضطربة، ولا نهضة في وطن تستنزف طاقاته الصراعات وتُبَدِّد موارده الخلافات.


واليـوم، لم يعد المواطن اليمني ينتظر خطابات مطولة أو وعودًا مؤجلة، بل ينتظر خطوات عملية تلامس واقعه، وتخفف من معاناته، وتعيد إليه ثقته بوطنه. ينتظر كهرباءً مستقرة، ومياهًا آمنة، وتعليمًا يليق بأبنائه، ورعايةً صحية تحفظ كرامته، وفرص عمل تمنحه القدرة على العيش الكريم، ومؤسساتٍ تؤدي واجبها بعدالة ونزاهة.


فـ هـذه هي الإنجازات التي تُقاس بها نجاحات الدول، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها المواطن حين يرى أثرها في حياته اليومية.


ومـن هـنا، فإن رفع المعاناة عن كاهل المواطنين يجب أن يتحول من شعار سياسي إلى مشروع وطني جامع، تتوحد حوله الجهود، وتُسخَّر له الإمكانات، وتُرتب على أساسه الأولويات؛ فلا قيمة لأي مكاسب سياسية إذا كان المواطن هو الخاسر الأكبر، ولا معنى لأي انتصار إذا كان الوطن يزداد ضعفًا، والإنسان يزداد فقرًا، والأمل يتراجع أمام قسوة الواقع.


إن الأمـم التي نهضت بعد الحروب والأزمات لم تنتظر تغير الظروف، بل صنعت الظروف المناسبة للنهوض، أدركت أن المستقبل لا يُبنى بالأمنيات، وإنما بالإرادة، والعمل، والتخطيط، والتوافق الوطني. والتاريخ لا يخلد أولئك الذين أحسنوا وصف المآسي، بل يخلد الذين امتلكوا الشجاعة لتحويلها إلى بدايات جديدة.


لـذلك، لا بـد أن لا ندمن هذا الواقع، ولا أن نستسلم لفكرة أن ما نعيشه قدرٌ لا يتغير؛ فالواقع مهما اشتد ليس نهاية المطاف، بل محطة يمكن تجاوزها إذا صدقت النوايا، وتقدمت مصلحة الوطن على ما سواها.


والوطـن يستحق أن يخرج من دائرة الانتظار إلى ميادين العمل، ومن ثقافة إدارة الأزمات إلى ثقافة صناعة المستقبل، ومن لغة الانقسام إلى لغة الدولة الجامعة.


فـ لتـكن هذه المرحلة بداية عهد جديد، يلتقي فيه الجميع على طاولة الوطن، لا على موائد الخلاف، وتُوَجَّه فيه الطاقات نحو البناء لا الهدم، وإلى التعمير لا التعطيل، وإلى التنمية لا الاستنزاف.


فـ الأوطـان لا يحميها إلا أبناؤها عندما يدركون أن أعظم انتصار هو أن ينتصر الوطن، وأن أسمى إنجاز هو أن ينعم المواطن بالأمن والكرامة والاستقرار، وأن يستعيد الوطن مكانته التي يستحقها بين الأمم.


د. هـاني بن محمد القاسمي

عـدن: 11. يوليو. 2026م