ليست كل هجرة بحثًا عن الثراء، ولا كل رحلة وراء الحدود مطاردةً لحلم كبير. أحيانًا يكون الرحيل مجرد محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الإنسان، قبل أن تلتهمه الخيبة، ويصبح مجرد رقم في قائمة المنتظرين.
هناك لحظات يصل فيها الإنسان إلى مفترق طرق لا تمنحه الحياة فيه إلا خيارًا واحدًا. تتعثر الأيام، وتُغلق أبواب العمل، ويغدو المستقبل صفحةً بيضاء لا تحمل سوى الفراغ. تنظر حولك فلا ترى فرصة تستحق الانتظار، ولا بصيصًا يستحق أن تُعلق عليه ما تبقى من العمر.
يبدأ الصراع الحقيقي بين العقل والقلب. القلب يتشبث بالأرض التي وُلدت عليها، وبالأهل، والذكريات، والأصدقاء، وكل التفاصيل التي صنعت هويتك. أما العقل فيسألك سؤالًا واحدًا: ماذا بقي لك هنا سوى الانتظار؟
وحين يصبح المستقبل البعيد أكثر ظلامًا من الحاضر، وتكتشف أن السنوات تمضي بينما حياتك واقفة في مكانها، تدرك أن المشكلة لم تعد في ضيق الوقت، بل في ضياع العمر.
الأقسى من الفقر أن يُسلب الإنسان حقه في الأمل، وأن يستيقظ كل صباح وهو يعلم أن يومه لن يكون مختلفًا عن أمسه، وأن أبواب الحياة موصدة مهما اجتهد أو صبر أو انتظر. عندها يشعر وكأنه يسير في جنازة أحلامه، بينما لا يجد حتى من يحمل عنه هذا الثقل.
ولا علاقة لهذا الشعور بالسياسة بقدر ما يتعلق بأبسط حقوق الإنسان: أن يعمل، وأن يعيش بكرامة، وأن يشعر بأن جهده يمكن أن يصنع فرقًا في حياته. فالكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل حقٌ يُعاش.
ثم تأتي اللحظة الأكثر قسوة... حين تنظر إلى طفلك وهو يكبر أمام عينيك، وتكتشف أنك عاجز عن أن تمنحه أفقًا يستحق أن يحلم به. ترى براءته تكبر، بينما تتآكل داخلك القدرة على الإجابة عن سؤال بسيط: ماذا ينتظره غدًا؟
عندها لا يصبح الرحيل ترفًا، ولا مغامرة، ولا بحثًا عن رفاهية. يصبح قرارًا موجعًا تفرضه قسوة الواقع، وواجبًا أخلاقيًا تجاه أسرة لا ذنب لها، وتجاه أطفال يستحقون فرصة للحياة قبل أن يرثوا خيبات آبائهم.
مؤلم أن تغادر وطنك، وأن تترك أهلك، وأصدقاءك، والطرقات التي حفظت خطواتك، وأن تبدأ من جديد في أرض لا تعرفك. لكن ما هو أشد ألمًا من الغربة، أن تبقى في وطنك غريبًا، تُهان فيه كرامتك، ويُصادر حقك في أن تحلم.
قد تكون الغربة قاسية، لكنها تبقى أهون على النفس من أن تُهان في مسقط رأسك، وأن ترى وطنك يضيق بك يومًا بعد آخر حتى لا يعود يتسع إلا لخيباتك.
وإن جاء يوم الرحيل، فلن أحمل معي سوى ما علق في القلب من ذكريات هذا الوطن. سأغادر بجسدٍ أثقله التعب، لكن روحي ستظل معلقةً بكل شارعٍ عرف خطواتي، وبكل وجهٍ أحببته، وبكل حلمٍ وُلد هنا ثم مات قبل أن يكتمل.
لن أودع الأرض، لأنها ستبقى وطني، وإنما أودع زمنًا عجز عن أن يمنحني حق الحياة فيه. فإن كتب الله لي أن أعود يومًا، فليكن ذلك إلى وطنٍ يحتضن أبناءه، لا إلى وطنٍ يودعهم واحدًا تلو الآخر.
سلامًا يا وطني... ما غادرتك كرهًا، ولا بدلت بك أرضًا، ولكنني غادرت لأن الإنسان قد يصبر على الفقر، وقد يحتمل التعب، لكنه لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد بلا أمل. وستبقى، رغم كل شيء، أول الحكاية... وآخر الحنين.